السؤال:
سمعت شيخا يقول : إنه لا يجوز قول : ” اللهم تقبل منا صالح الأعمال “؛ لأن ذلك معناه أن الله تعالى يمكن أن يقبل الخبيث من الأعمال ، والله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيبا ، والأصح أن نقول ” اللهم تقبل منا أعمالنا ” فهل هذا صحيح ؟
الجواب :
الحمد لله
لا
حرج في الدعاء بقول : ” اللهم تقبل منا صالح الأعمال “، وليس فيه أي محذور شرعي ،
بل منطوق هذا الدعاء ومفهومه صحيح مقبول ؛ لأن الله عز وجل يتقبل ” صالح الأعمال “،
ولا يتقبل سيء الأعمال .
يقول الله عز وجل : ( لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم
مِّن فَضْلِهِ )
ويقول سبحانه : ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا
)
قال
العلامة السعدي رحمه الله :
”
المراد بـ ( أحسن ما عملوا ) : أعمالهم الحسنة الصالحة ؛ لأنها أحسن ما عملوا ،
لأنهم يعملون المباحات وغيرها ، فالثواب لا يكون إلا على العمل الحسن ، كقوله تعالى
: ( لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ )
.
”
تفسير السعدي ” (ص/569)
ثم
إن الذي يسأل الله أن يتقبل منه ” صالح الأعمال ” ، لا يخطر في باله أنه يسأل الله
أيضا أن لا يتقبل منه سيء الأعمال ، وإنما يأتي بكلمة ” صالح ” لبيان سبب القبول ،
وهو صلاح العمل ، وهذا أسلوب صحيح في اللغة ، ويسميه علماء الدلالات اللغوية
بالوصف الكاشف ، ويمثلون له بقول الله تعالى : ( وَمَنْ
يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ
عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) المؤمنون/117.
يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله :
” لا خلاف بين أهل العلم أن قوله هنا : ( لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ) لا مفهوم
مخالفة له ، فلا يصح لأحد أن يقول : أما من عبد معه إلهاً آخر له برهان به فلا مانع
من ذلك ، لاستحالة وجود برهان على عبادة إله آخر معه ، بل البراهين القطعية
المتواترة دالة على أنه هو المعبود وحده جل وعلا ، ولا يمكن أن يوجد دليل على عبادة
غيره ألبتة .
وقد تقرر في فن الأصول أن : مِن موانع اعتبار مفهوم المخالفة ، كون تخصيص الوصف
بالذكر لموافقته للواقع
، فَيَرِدُ النص ذاكراً للوصف الموافق للواقع ، ليطبق عليه الحكم ، فتخصيصه بالذكر
إذاً ليس لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق ، بل لتخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع
.
ومن أمثلته في القرآن هذه الآية ؛ لأن قوله : ( لاَ بُرْهَانَ لَهُ ) وصف مطابق
للواقع ، لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان ، فذكر الوصف لموافقته الواقع ، لا لإخراج
المفهوم عن حكم المنطوق .
ومن أمثلته في القرآن أيضاً قوله تعالى : ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ
الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) لأنه نزل في قوم والوا
اليهود دون المؤمنين ، فقوله ( مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) ذكر لموافقته للواقع ؛
لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق ؛ ومعلوم أن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء
ممنوع على كل حال ” انتهى.
” أضواء البيان ” (5/364)
والحاصل أنه لا يحل لأحد أن يتكلم في دين الله عز وجل بغير علم ولا بصيرة ، فيتكلف
في كلامه ما لا علم له به ، ويثير بين المسلمين ما لا يقره عالم بالشريعة ، بل
الواجب الوقوف عند الكتاب والسنة ، وتعليم الناس محكمات الدين ، وترك ما سوى ذلك
للعلماء المتخصصين.
وما
زال العلماء يستعملون هذا الدعاء في كتبهم وخطبهم ، ومن ذلك خطبة للشيخ ابن عثيمين
رحمه الله يقول فيها :
”
نسألك اللهم تقبل منا صالح أعمالنا، وأن تكفر عنا سيئات أعمالنا ” انتهى.
نقلا عن موقعه رحمه الله على هذا الرابط :
http://www.ibnothaimeen.com/all/khotab/article_47.shtml
والله أعلم .
