لو تبع شخص جنازة بدون أن يصلي عليها فهل يأخذ ” قيراطاً ” أم يشترط أن يصلي عليها لكي يأخذ هذا الأجر ؟.
الحمد لله
أولاً :
دلت السنة على أن من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ، ومن
شهدها حتى تدفن فله قيراطان .
روى البخاري (1325) ومسلم (945) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى
عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ
. قِيلَ : وَمَا الْقِيرَاطَانِ ؟ قَالَ : مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ )
رواه البخاري (1325) ومسلم (945) .
وروى مسلم (945) عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه
أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما إِذْ
طَلَعَ خَبَّابٌ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، أَلا تَسْمَعُ مَا
يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ! أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا
وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ
أَجْرٍ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ
لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ ) فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى
عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ
فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ ، وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءِ
الْمَسْجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ، فَقَالَ
: قَالَتْ عَائِشَةُ : صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصَى
الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ
كَثِيرَةٍ ) .
والقيراط مقدار كبير من الأجر مثَّله النبي صلى الله عليه وسلم
بجبل أحد .
والقيراط الذي يحصل بالصلاة ، هل يحصل بالصلاة فقط أم لا بد أن
يخرج مع الجنازة من بيتها ؟
قال الحافظ ابن حجر : ” وفي رواية خباب عند مسلم : ( من خرج مع
جنازة من بيتها ) ولأحمد في حديث أبي سعيد الخدري : ( فمشى معها من أهلها ) ومقتضاه
أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة ، وبذلك صرح المحب الطبري
وغيره . والذي يظهر لي : أن القيراط يحصل أيضا لمن صلى فقط ، لأن كل ما قبل الصلاة
وسيلة إليها ، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيّع مثلا وصلى ، ورواية
مسلم عن أبي هريرة بلفظ : ( أصغرهما مثل أحد ) يدل على أن القراريط تتفاوت ”
انتهى من “فتح الباري” (3/ 234) .
ثانياً :
وأما من تبعها دون أن يصلي عليها أو يشهد دفنها ، فلا يدخل في
هذا الوعد ، لكن يرجى له أن يحصل له ثواب بحسب نيته .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ” قال الزين بن المنيّر ما محصله
: … القيراط لا يحصل إلا لمن اتبع وصلى ، أو اتبع وشيّع وحضر الدفن ، لا لمن اتبع
مثلا وشيع ثم انصرف بغير صلاة ؛ وذلك لأن الاتباع إنما هو وسيلة لأحد مقصودين : إما
الصلاة وإما الدفن ، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المرتب على المقصود ،
وإن كان يرجى أن يحصل لفاعلِ ذلك فضلٌ ما بحسب نيته ” انتهى من “فتح الباري”
(3/230) .
ثالثاً :
وظاهر الحديث أن القيراط المرتب على الدفن لا يحصل إلا إذا تقدمه
الصلاة على الميت .
روى البخاري (47) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ اتَّبَعَ
جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى
عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الأَجْرِ
بِقِيرَاطَيْنِ ) .
قال النووي رحمه الله :
” ومقتضى هذا أن القيراطين إنما يحصلان لمن كان معها في جميع
الطريق حتى تدفن ، فإن صلى مثلا وذهب إلى القبر وحده فحضر الدفن لم يحصل له إلا
قيراط واحد ” انتهى من “فتح الباري” (3/234) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في “شرح كتاب الجنائز من بلوغ
المرام” :
” من فوائد الحديث ( يعني حديث أبي هريرة المذكور في أول الجواب
) :
أن القيراطين لا يحصلان إلا لمن شهد الصلاة والدفن ، لقوله صلى
الله عليه وسلم : ( ومن شهدها حتى تدفن ) لأنه من المعلوم أن الصلاة سابقة على
الدفن .
فإن شهد الدفن دون الصلاة ، مثل أن يمر رجل بأناس في المقبرة
يدفنون ميتاً فحضر وشاركهم في الدفن ، فالحديث ليس فيه دليل على أنه يحصل له بالدفن
وحده قيراط ، إنما يحصل له بالدفن قيراط إذا انضم إلى الصلاة ، ولا يلزم من حصول
الأجر بانضمام شيء إلى آخر أن يحصل به منفرداً ” انتهى من الشريط السادس ،
الوجه الثاني .
والحاصل أن اتباع الجنازة على خمس مراتب :
الأولى : أن يشهدها منذ خروجها من بيتها ، حتى يصلي عليها ويفرغ
من دفنها ، وهذه أكمل المراتب ، وفيها قيراطان عظيمان من الأجر .
الثانية : أن يشهدها منذ خروجها من بيتها حتى يصلي عليها ، فله
قيراط .
الثالثة : أن يصلي عليها ، وإن لم يخرج معها من بيتها ، فله
قيراط على ما اختاره الحافظ ابن حجر ، لكنه دون من شهدها من بيتها .
الرابعة : أن يشهد دفنها فقط دون أن يصلي عليها ، فظاهر الحديث
أنه ليس له قيراط ، وإن كان له ثواب في الجملة بقدر عمله .
الخامسة : أن يتبعها مدة ثم ينصرف ، دون أن يشهد الصلاة أو الدفن
، فهذا يرجى له ثواب على قدر نيته .
والله أعلم .
