سمعت أحد أئمة المساجد يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اختاروا لبناتكم كما تختارون لأبنائكم ) وقد بحثت في جميع المراجع ولم أجد أثرا لهذا الحديث حسب ما طرحه الإمام ، وأظن بـأنه من أثر الصحابة رضوان الله عليهم ، دلنا من فضلكم وجزاكم الله كل خير .
الحمد لله
أولا :
البنت أمانة في عنق والدها ، وقد أمره الله سبحانه وتعالى بحفظ هذه الأمانة
ورعايتها ، ولا شك أن اختيار الزوج الصالح لها من أعظم ما يحفظ به الولي ابنته ،
لأن الزواج نقلة في حياة الفرد نحو الطمأنينة والاستقرار والسعادة ، فلا بد أن يكون
الاختيار صالحا لتحقيق هذه الأماني .
والعاقل من الآباء هو الذي يسعى لتحقيق هذا المقصد العظيم لابنته ، فلا يهدأ له بال
حتى يجد لها صاحب الخلق والدين الذي يقوم على أمرها ويصلح شأنها ، وإذا وجده فلا
يتردد في عرض موليته عليه لأنه يرى في ذلك سعادتها وهناءها .
وفي القرآن والسنة نماذج سامية من الأولياء الذين اختاروا الأزواج لبناتهم وأخواتهم
، وكانوا سببا في جلب السعادة إليهم ، واختصار الزمن في الانتظار الذي لا تعلم له
نهاية .
فقد قص الله سبحانه وتعالى في قصة موسى عليه السلام حين ورد ماء مدين ، وسقى
لامرأتين من ذلك الماء رحمة وشفقة بهما ، فلما علم أبوهما بأمانة وقوة موسى عليه
السلام – وذلك قبل أن يبعث بالرسالة – عرض عليه أن يزوجه إحدى ابنتيه ، فقال سبحانه
وتعالى حاكيا ذلك :
( َقالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن
تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا
أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ )
القصص/27
وفي السنة نموذج آخر رواه الإمام البخاري رحمه الله برقم (5122) ، وبوب عليه بقوله
: باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير . كما رواه النسائي برقم (3248)
وبوب عليه بقوله : باب عرض الرجل ابنته على من يرضى .
عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ :
( تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسٍ يَعْنِي ابْنَ حُذَافَةَ –
وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ
شَهِدَ بَدْرًا فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ – فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ
فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ ، فَقُلْتُ : إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ .
فَقَالَ : سَأَنْظُرُ فِي ذَلِكَ . فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ فَلَقِيتُهُ فَقَالَ : مَا
أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا . قَالَ عُمَرُ : فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ
الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ .
فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا . فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى
عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ فَخَطَبَهَا إِلَيَّ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ ،
فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ
عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ :
فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ شَيْئًا
إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَذْكُرُهَا ، وَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ تَرَكَهَا نَكَحْتُهَا )
قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث “فتح الباري” (9/222) :
” وفيه عرض الإنسان ابنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه ؛ لما فيه من
النفع العائد على المعروضة عليه ، وأنه لا استحياء في ذلك ” انتهى .
والنماذج في التاريخ كثيرة ، ومن أعجب ذلك ما يذكره الذهبي في “سير أعلام النبلاء”
(4/233) من قصة تزويج سعيد بن المسيب ابنته على تلميذه كثير بن المطلب ، جاء فيها :
كنت أجالس سعيد بن المسيب ، ففقدني أياما ، فلما جئته قال : أين كنت ؟ قلت : توفيت
أهلي فاشتغلت بها ، فقال : ألا أخبرتنا فشهدناها ، ثم قال : هل استحدثت امرأة ؟
فقلت : يرحمك الله ، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ قال : أنا . فقلت :
وتفعل ؟ قال : نعم ، ثم تحمد ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، وزوجني على
درهمين – أو قال: ثلاثة – فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح ، فصرت إلى منزلي وجعلت
أتفكر فيمن أستدين .
فصليت المغرب ، ورجعت إلى منزلي ، وكنت وحدي صائما ، فقدمت عشائي أفطر ، وكان خبزا
وزيتا ، فإذا بابي يقرع ، فقلت : من هذا ؟ فقال : سعيد . ففكرت في كل من اسمه سعيد
إلا ابن المسيب ، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد ، فخرجت فإذا سعيد ،
فظننت أنه قد بدا له ، فقلت : يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فأتيك ؟ قال : لا ، أنت
أحق أن تؤتى ، إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت ، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك ، وهذه امرأتك
. فإذا هي قائمة من خلفه في طوله ، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ، ورد الباب .
فسقطت المرأة من الحياء ، وبلغ أمي ، فجاءت وقالت : وجهي من وجهك حرام إن مسستها
قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام ، فأقمت ثلاثا ، ثم دخلت بها ، فإذا هي من أجمل الناس
، وأحفظ الناس لكتاب الله ، وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعرفهم
بحق زوج . اهـ
إذن فقد نشأت بيوت دين وعلم وأدب وسعادة على هذا السبيل ، ولم يمنع الحياء أحدا أن
يكسب زوجا صالحا لابنته أو أخته ، فقد كان التواضع خلقهم ، وكان الكرم والوفاء
حليتهم .
ولعل فيما سبق من النماذج قدوة حسنة لأهل هذا الزمان ، والله المستعان .
ثانيا :
أما الحديث الذي رواه ذلك الخطيب وجاء فيه : ( اختاروا لبناتكم كما تختارون
لأبنائكم ) فهذا ليس بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم أقف على نسبته لأحد
من الصحابة أو التابعين ، إنما هو مثل يتناقله الناس فيما بينهم من كلامهم وتجاربهم
، ومَن نسبه إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ خطأ فاحشا شنيعا ، وتجاوز
حدا عظيما في نسبة الكذب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائل : ( مَنْ
كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ )
رواه البخاري (110) ومسلم
(3)
والله أعلم .
