قرأت بعض الأحاديث عن تكون الجنين ، والتي أوردها ابن القيم في كتابه ” التبيان في أقسام القرآن ” ، ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الجنين ذكراً وإذا سبق ماء المرأة الرجل كان الجنين أنثى … ) ثم ذكر حديثاً آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل من ماذا خُلق الإنسان ؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم قائلاً (من ماء الرجل والمرأة معاً ، فماء الرجل تُخلق منه العظام والأعصاب لأنه غليظ ، وماء المرأة يُخلق منه الدم واللحم لأنه ليّن) ، هل من الممكن شرح وتوضيح هذه الفكرة على ضوء هذين الحديثين ؟ .

الجواب :

الحمد لله

أولاً :

الحديث الثاني المذكور في السؤال : لا يصح ، وهذا لفظه ، وكلام الأئمة عليه :

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُود قَالَ : (مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ ، فَقَالَتْ
قُرَيْشٌ : يَا يَهُودِيُّ ، إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، فَقَالَ :
لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ . قَالَ : فَجَاءَ
حَتَّى جَلَسَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ / مِمَّ يُخْلَقُ الْإِنْسَانُ؟ قَالَ
: يَا يَهُودِيُّ ، مِنْ كُلٍّ يُخْلَقُ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ ، وَمِنْ نُطْفَةِ
الْمَرْأَةِ ، فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ
وَالْعَصَبُ ، وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا
اللَّحْمُ وَالدَّمُ ، فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ : هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ
قَبْلَكَ) رواه أحمد في “مسنده” (7/437) .

قال
الشيخ أحمد شاكر رحمه الله :

إسناده ضعيف ؛ لضعف حسين بن الحسن ، وهو الأشقر . والحديث

في
” مجمع الزوائد ” ( 8 / 241 ) ، وقال : ” رواه أحمد والطبراني والبزار بإسنادين ،
وفي أحد إسناديه عامر بن مدرك ، وثقه ابن حبان ، وضعفه غيره ، وبقية رجاله ثقات ،
وفي إسناد

الجماعة عطاء بن السائب ، وقد اختلط ” .

“مسند أحمد” تحقيق الشيخ أحمد شاكر ( 6 / 199 ) .

وكذا ضعفه محققو المسند ( 7 / 437 ) طبعة الرسالة ، وقالوا :

إسناده ضعيف ؛ لضعف حسين بن الحسن ، وهو الأشقر ، وعطاء بن السائب اختلط بأخرة ،
ولم

نقف
على سماع أبي كدينة – وهو يحيى بن المهلب – منه ، هل كان قبل الاختلاط أم بعده ،
وعبد الرحمن والد القاسم – وهو ابن عبد الله بن مسعود – لم يثبت سماعه لهذا

الحديث من أبيه ، فهو إنما سمع من أبيه شيئاً يسيراً .

انتهى .

ومع
ضعف سند الحديث : فإن في متنه إشكالاً ، حيث ذُكر فيه أن لحم الجنين يكون من نطفة
الأم ، وعظمه من نطفة الأب ، وظاهر النصوص : أن اللحم والعظم من مجموع النطفتين .

ونقل محققو المسند عن نور الدين أبي الحسن السندي رحمه الله قوله :

“قوله : (وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ
وَالدَّم) : قلت : ظاهر القرآن ، وهو قوله تعالى : (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ
عَلَقَةً …. ) الآية المؤمنون/14 : يدل على أن مجموع النطفتين يصير عظاماً” انتهى
.

ثانياً :

أما
خلق الجنين ، وكونه ذكراً أو أنثى ، وشبهه بأبيه ، أو أمه : فكلها مسائل لها ما يدل
عليها من الكتاب والسنَّة ، وفيها خلاف بين العلماء ، ونحن نذكر ذلك مختصراً :

1.
خلق الجنين :

قال
تعالى : (فَلْيَنظُرِ
الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ
والتَّرَائِبِ ) الطارق/ 5 – 7 .

وقد
اختلف العلماء في معنى هذه الآية ، وقد ذكرنا اختلافهم في جواب السؤال رقم (118879)
، ورجحنا قول طائفة من المفسرين والعلماء أن ” الصلب ” – وهو الظهر – ، و ” الترائب
” – وهي عظام الصدر – : هي للرجل نفسه .

2.
الذكورة والأنوثة ، والشبه :

وفي
هذا خلاف كبير بين العلماء المتقدمين والمعاصرين ، ونحن نذكر طائفة من الأحاديث في
المسألة ، ثم نختار أشهر أقوال العلماء فيها .

1.
عن أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ سأل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم :
(مَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ ؟ قَالَ :
أَخْبَرَنِى بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا ، أَمَّا الْوَلَدُ ، فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ
الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ
مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الْوَلَدَ . قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ
اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ) رواه البخاري ( 3723 ) .

ومعنى ( ينزع ) : يذهب إليه – أو إليها – بشبهه .

2.
عن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ
حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ … قَالَ : جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ الْوَلَدِ ،
قَالَ : ( مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ ، فَإِذَا
اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ
اللَّهِ ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ
اللَّهِ) قَالَ الْيَهُودِيُّ : لَقَدْ صَدَقْتَ . رواه مسلم (315) .

3.
عن أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ
الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِلْ ) فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ – وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ
ذَلِكَ – قَالَتْ : وَهَلْ يَكُونُ هَذَا ؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (نَعَمْ ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ، إِنَّ مَاءَ
الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ ، فَمِنْ
أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ ) رواه مسلم ( 311 ) .

4.
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ : (امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ
وَأَبْصَرَتْ الْمَاءَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ
قِبَلِ ذَلِكِ ، إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ
أَخْوَالَهُ ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ) .
رواه مسلم (314) .

ونذكر هنا قولين لأهل العلم في معنى تلك الأحاديث السابقة ، ومرجع الكلام إنما هو
في فهم معنى “السبق” ، و “العلو” .

أ.
قال ابن القيم رحمه الله :

“إن
سبق أحد الماءين سبب لشبه السابق ماؤه ، وعلو أحدهما : سبب لمجانسة الولد للعالي
ماؤه ، فها هنا أمران : سبق ، وعلو ، وقد يتفقان ، وقد يفترقان ، فإن سبق ماءُ
الرجل ماءَ المرأة ، وعلاه : كان الولد ذكراً ، والشبه للرجل ، وإن سبق ماءُ المرأة
، وعلا ماءَ الرجل : كانت أنثى ، والشبه للأم ، وإن سبق أحدُهما ، وعلا الآخر : كان
الشبه للسابق ماؤه ، والإذكار ، والإيناث لمن علا ماؤه” انتهى .


تحفة المودود بأحكام المولود ” ( ص 278 ) .

ب.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

“ووقع عند مسلم من حديث عائشة : (إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه أعمامه ، وإذا
علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه أخواله) ونحوه للبزار عن ابن مسعود وفيه : (ماء
الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فأيهما أعلى كان الشبه له) ، والمراد بالعلو
هنا : السبق ؛ لأن كلَّ مَن سبق : فقد علا شأنه ، فهو علوٌّ معنوي .

وأما ما وقع عند مسلم من حديث ثوبان – رفعه – (ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر
فإذا اجتمعا فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن الله ، وإذا علا منيُّ
المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله) : فهو مُشكل من جهة أنه يلزم منه اقتران الشبه
للأعمام إذا علا ماء الرجل ، ويكون ذكراً ، لا أنثى ، وعكسه ، والمشاهد خلاف ذلك ؛
لأنه قد يكون ذكراً ويشبه أخواله ، لا أعمامه ، وعكسه ، قال القرطبي : يتعين تأويل
حديث ” ثوبان ” بأن المراد بالعلو : السبق ، قلت : والذي يظهر : ما قدمتُه ، وهو
تأويل العلو في حديث عائشة ، وأما حديث ثوبان : فيبقى العلو فيه على ظاهره ، فيكون
السبق علامة التذكير والتأنيث ، والعلو علامة الشبه ، فيرتفع الاشكال ، وكأن المراد
بالعلو الذي يكون سبب الشبه : بحسب الكثرة ، بحيث يصير الآخر مغموراً فيه ، فبذلك
يحصل الشبه ، وينقسم ذلك ستة أقسام :

الأول : أن يسبق ماءُ الرجل ، ويكون أكثر ، فيحصل له الذكورة ، والشبه .

والثاني : عكسه .

والثالث : أن يسبق ماءُ الرجل ، ويكون ماء المرأة أكثر ، فتحصل الذكورة ، والشبه
للمرأة .

والرابع : عكسه .

والخامس : أن يسبق ماءُ الرجل ، ويستويان ، فيذكر ، ولا يختص بشبَه .

والسادس : عكسه .


فتح الباري ” ( 7 / 273 ) .

فتلخص مما سبق :

أ.
أن ابن القيم رحمه الله يرى في تفسير ” السبق ” ، و ” العلو ” إلى أن سبق أحد
الماءيْن : سبب لشبه السابق ماؤه ، وعلوُّ أحدهما : سببٌ للتذكير والتأنيث .

ب.
وذهب ابن حجر رحمه الله إلى أن السبق علامة التذكير والتأنيث ، والعلو علامة الشبه
.

والأمر محتمل ، ولعلَّ الحقائق – لا النظريات – الطبية الحديثة تقوي أحد القولين ،
ويمكن الرجوع إلى الكتب المتخصصة في الموضوع لزيادة المعرفة .

 

والله أعلم