الجواب :
الحمد لله
بداية نهنئك على نعمة الإسلام والإيمان ، ونسأل الله تعالى لك السعادة والتوفيق
والسداد في الدنيا والآخرة .
ثم اعلمي أن العاقل هو الذي يتأمل بعدل وإنصاف ، ويتفكر بموضوعية تراعي جميع جوانب
الموضوع الذي يبحثه ، كي لا يكون عرضة للتناقض والتعارض ، فيتشكك اليوم عن سبب
الأمر بالستر في الصلاة ، ولو كانت السنة التكشف لسارع بالشك والوسواس والتساؤل عن
سبب التكشف أيضا ، فهو حين تأمر الشريعة بالستر يعترض ، وحين تأمر بالستر يعترض ،
وهكذا فإن أحاديث النفس المضطربة كثيرا ما تصلنا عبر هذا الموقع من كثير من الناس ،
في دوامة لا نهاية لها سوى قطع السبيل على الشيطان ؛ ألا يفسد على المرء دينه
ودنياه .
والناس جميعا يدركون أن أمر اللباس يختلف بحسب المقام ، فمقام العمل الرسمي أو
الزيارة الرسمية ليس كمقام الرحلة أو المنزل ، ومقام الإنسان في الدنيا ليس كمقامه
في قبره تحت التراب ، ومن يقيس هذه الأحوال على بعضها يخالف العقل السليم ، ويضرب
المعايير المتزنة ببعضها بطريقة خاطئة ، ليس فيها من شرائط القياس العقلي ولا
الشرعي شيء !!
تماما كما تريدين أن تقيسي في سؤالك مقامك بين يدي الله في الصلاة على حالك في
القبر أو عند الحشر ، أو على حالك في لباس البيت أو النوم !! وليس ذلك فحسب ، بل
ترين أن هذا القياس الباطل معضلة المعضلات ، وإحدى الكوارث التي تملكت عليك عقلك ،
حتى بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبك ، علامة على ضعف نفسي وفكري نادر ، يحتاج منك وقفات
كي لا يؤثر في دنياك ، قبل آخرتك .
حسنا ، إن أردت القياس فأي الأحوال ستختارين ؟
هل ستصلين عارية تماما ، كما ولدتك أمك ، على هيئة الحشر يوم القيامة ؟
أم ستصلين في “كفن” ، وأنت في الدنيا ، كما يلف الميت في “كفنه” ؟
إن الحالة التي تريدينها : لا هي بالتي شرعها الله ، ولا هي تشبه حالة الميت في
قبره ، ولا هي تشبه حالة الناس في حشرهم ؛ فلا أنت أعطيت القياس حقه ، ولا أنت وفيت
للشرع بأمره !!
واسمحي لنا أن نقول إن سبب ذلك كله : لا شيء . لا شيء يستحق كل هذا التفكير ، ولا
شيء يستحق كل هذه الشكوك ، الأمر أهون من ذلك ، ولو سألت أي عاقل عن الحكمة التي
يتلمسها في تستر المسلم والمسلمة عند الصلاة ، لما تردد أن يقول لك إنه مراعاة
لكمال الأدب مع الله سبحانه في موعد اللقاء به ، والاتصال بجنابه عز وجل ، فمن
الرائع أن تلقي الله عز وجل وأنت بكامل اللباس الذي يطلبه الله منك ، ويحبه لك ،
وهو الحجاب وغطاء الرأس خاصة ، مع ستر باقي أجزاء الجسم ، فقد قال الله سبحانه
وتعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) الأعراف/31 ،
ومعنى : ( عند كل مسجد ) يعني : عند كل صلاة ، سواء كانت في المسجد أم في غير
المسجد .
يقول العلامة السعدي رحمه الله : ” أي : استروا عوراتكم عند الصلاة كلها ، فرضها
ونفلها ، فإن سترها زينة للبدن ، كما أن كشفها يدع البدن قبيحا مشوها .
ويحتمل أن المراد بالزينة هنا : ما فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن ، ففي هذا الأمر
بستر العورة في الصلاة ، وباستعمال التجميل فيها ، ونظافة السترة من الأدناس
والأنجاس ” .
انتهى من ” تيسير الكريم الرحمن ” (ص287) .
والصلاة مقام خطير بين يدي الله ، يناجي العبد المسلم فيها ربه ، ويتجه بعقله وفكره
إلى مولاه وخالقه ، بخشوع وخضوع وسكينة ، يرجو رحمته ، ويخاف عذابه ، ويمرغ رأسه
وأنفه في الأرض تذللا بين يديه عز وجل ، فلا يليق بهذا المقام العظيم إلا أن يأخذ
المسلم والمسلمة اللباس التام الكامل ، الذي يليق بلقاء ملك الملوك جل وعلا ، وليس
لباس النوم ، ولا لباس المهنة .
ثم لا بد أن يستقر في قلبك – وأنت المسلمة المطمئنة – أن الإسلام يعني الاستسلام
لله سبحانه وتعالى ، لما ورد في كتابه الكريم ، ولما ورد في سنة نبيه محمد عليه
الصلاة والسلام ، وأن الواجب على المسلم إذا تاه عقله ، وضل قلبه أن يتعرف الحكمة
في أمر من الأمور ، فإن نور الهداية الذي يسترشد به هو الوحي من الله سبحانه ،
المتمثل بالكتاب والسنة ، فقد قال الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَحِيمٌ ) الحديد/28، ويقول سبحانه وتعالى : ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ
فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) الأعراف/52 .
فالمسلم يلتمس الهدى في الشريعة الإسلامية ، ولا يكون كمن قال الله سبحانه فيهم : (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا
كِتَابٍ مُنِيرٍ ) الحج/8. وهذا من الأركان الأساسية لمعنى الإسلام والإيمان بالله
عز وجل وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وليس ما تصنعينه من التشكك في كل صغيرة
إلى القدر الذي وصفت في سؤالك ، وليس لذلك أي مبرر ؛ وقد كان يسعك أن تصلي كما يصلي
المسلمون ، ثم تسألين عما بدا لك ، لا أن تستسلمي لوساوس الشيطان وشكوكه ، حتى
تتركي الصلاة بالكلية !!
إن القرآن الكريم كلام الله ، وكلام الله كله كمال وعدل وحكمة ، لا يتطرق إليه
النقص بوجه من الوجوه ، وهو القائل عز وجل : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ ) الحشر/7، وقد أمر عليه الصلاة والسلام النساء بالتستر في الصلاة ،
ولبس الحجاب غطاء الرأس ، فثبت عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ
حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ ) [ومعنى “حائض”: أي التي بلغت سن المحيض ، ولم يرد به
المرأة التي هي في أيام حيضها] ينظر ” معالم السنن ” (1/180) رواه أبو داود في ”
السنن ” (641) ، والترمذي في ” السنن ” (277) وقال : ” حديث حسن ، والعمل عليه عند
أهل العلم : أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها ” .
ويقول ابن المنذر رحمه الله :
” أجمعوا على أن الحرة البالغ تخمر رأسها إذا صلت ، وعلى أنها إن صلت وجميع رأسها
مكشوف أن عليها إعادة الصلاة ” انتهى من ” الإجماع ” (ص43) .
فإذا لم تسترشدي بالسنة النبوية في هذه المسألة ، فلماذا تصلين الظهر أربع ركعات
وأنت لا تجدين هذا العدد في كتاب الله !! ولماذا تؤدين زكاة المال بنسبة (2.5%)
وهذا الرقم أيضا ليس في كتاب الله !! بل كلها أخذها المسلمون من السنة النبوية
الصحيحة ، فهو عليه الصلاة والسلام : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ
إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) النجم/3-4.
وقد قال علماؤنا رحمهم الله ، إن الآية الكريمة ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) كانت
إحدى معالم القرآن الكريم في نقل الأمم البدائية إلى التحضر والمدنية ، حيث كان
العرب في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة ، وكانت كثير من الأمم لا تعرف ثقافة اللباس
وزينته ، فكان الإسلام بهذا الإلزام باللباس التام سببا في نقل حضاري هائل لدى تلك
الأمم .
يقول العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله :
” هذا الأمر بالزينة عند كل مسجد – لا المسجد الحرام وحده – أصل من أصول الإصلاح
الدينية والمدنية ، يعرف بعض قيمته مما روي في سبب نزول هذه الآيات ، وإنما يعرفها
حق المعرفة من قرأ تواريخ الأمم والملل ، وعلم أن أكثر المتوحشين الذين يعيشون في
الحرجات والغابات أفرادا وجماعات يأوون إلى الكهوف والمغارات ، والقبائل الكثيرة
الوثنية في بعض جزائر البحار وجبال إفريقية ، كلهم يعيشون عراة الأجسام نساء ورجالا
، وأن الإسلام ما وصل إلى قوم منهم إلا وعلمهم لبس الثياب ، بإيجابه للستر وللزينة
إيجابا شرعيا ، ولما أسرف بعض دعاة النصرانية الأوربيين في الطعن في الإسلام لتنفير
أهله منه وتحويلهم إلى ملتهم ، ولتحريض أوربة عليهم ، رد عليهم بعض المنصفين منهم ،
فذكر في رده أن لانتشار الإسلام في إفريقية منه على أوربة بنشره للمدنية في أهلها ،
بحملهم على ترك العري ، وإيجابه لبس الثياب الذي كان سببا لرواج تجارة النسيج
الأوربية فيهم .
بل أقول : إن بعض الأمم الوثنية ذات الحضارة والعلوم والفنون كان يغلب فيها معيشة
العري ، حتى إذا ما اهتدى بعضهم بالإسلام صاروا يلبسون ويتجملون ، ثم صاروا يصنعون
الثياب ، وقلدهم جيرانهم من الوثنيين بعض التقليد ، وهذه بلاد الهند على ارتقاء
حضارة الوثنيين فيها قديما وحديثا ، لا يزال ألوف الألوف من نسائهم ورجالهم عراة أو
أنصاف أو أرباع عراة ، فترى بعض رجالهم في معاهد تجارتهم وصناعتهم بين عار لا يستر
إلا السوءتين ، أو ساترا لنصفه الأسفل فقط ، وامرأة مكشوفة البطن والفخذين أو النصف
الأعلى من الجسم كله أو بعضه . وقد اعترف بعض علمائهم المنصفين بأن المسلمين هم
الذين علموهم لبس الثياب والأكل في الأواني ، ولا يزال أكثر فقرائهم يضعون طعامهم
على ورق الشجر ويأكلون منه ، ولكنه خير من كثير من سائر الوثنيين سترا وزينة ؛ لأن
المسلمين كانوا حكامهم ، وقد كانوا ولا يزالون من أرقى مسلمي الأرض علما وعملا
وتأثيرا في وثني بلادهم .
وأما المسلمون في بلاد الشرق التي يغلب عليها الجهل فهم أقرب إلى الوثنية منهم إلى
الإسلام في اللباس وكثير من الأعمال الدينية ، ومنهم نساء مسلمي (سيام) اللاتي لا
يرين في أنفسهن عورة سوى السوءتين كما تقدم آنفا ، فحيث يقوى الإسلام يكون الستر
والزينة اللائقة بكرامة البشر ورقيهم.
فمن عرف مثل هذا عرف قيمة هذا الأصل الإصلاحي في الإسلام ، ولولا أن جعل هذا الدين
المدني الأعلى أخذ الزينة من شرع الله – يعني أوجبه على عباده – لما نقل أمما
وشعوبا كثيرة من الوحشية الفاحشة إلى الحضارة الراقية ، وإنما يجهل هذا الفضل له من
يجهل التاريخ وإن كان من أهله ، بل لا يبعد أن يوجد في متحذلقة المتفرنجين منهم من
يجلس في ملهى أو مقهى أو حانة متكئا مميلا طربوشه على رأسه يقول : ما معنى جعل أخذ
زينة الناس من أمور الدين ، وهو من لوازم البشر لا يحتاجون فيه إلى وحي إلهي ولا
شرع ديني ؟ ” .
انتهى من ” تفسير المنار (8/ 340-341) .
هذا وقد سبق في موقعنا العديد من الفتاوى التي تبين لباس المرأة في الصلاة ، يمكنك
مراجعتها في الأرقام الآتية : (11073) ، (69804)
، (32993) .
والخلاصة : أن مقام الصلاة بين يدي الله مقام جليل وعظيم ، يقتضي من المسلمة
استكمال الحجاب فيه مراعاة لكمال الأدب مع الله ، بخلاف لباس البيت الذي يتخفف فيه
الإنسان بعض الشيء ، هذا فضلا عن أن المسلم يتلقى النور والهداية من القرآن الكريم
والسنة الصحيحة ، ولا يجعل رأيه وشكه حكما على هذا الوحي الذي جاء من عند الله .
والله أعلم .
