السؤال:
من هو الشخص الذي يستحق أن يُطلق عليه لفظ مربي ؟ وهل يجوز أن يكون من غير الوالدين ، خاصة إذا كان المربي رجلا والمتربي فتاة ؟ وإن جاز ذلك فما هي الحدود التي لا بد أن يقف عندها كل من الشيخ والتلميذة ؟
وجزاكم الله خيرا .

 

الجواب :

الحمد لله

أولا :

ليعلم أن سياسة الناس بدين الله جل جلاله ، وتربيتهم عليه هي وظيفة الأنبياء
والمرسلين ، والقيام بها من ميراث النبوة الذي يصطفي الله تعالى له من شاء من عباده
. وإذا كان ذلك كذلك فإن مدار الصفات التي ينبغي توافرها في هؤلاء المربين أن
يكونوا ” ربانيين ” ، أي مسنوبين إلى الرب جل جلاله ، فمن وحيه يستمدون ، ولأجله
يعلمون ، وإياه يقصدون .

قال الله تعالى : ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ
وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ
دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ
الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) آل عمران/79.

قال القاسمي رحمه الله : 

“{ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } أي : بسبب
مثابرتكم على تعليم الناس الكتابَ ودراسته ، أي : قراءته ؛ فإن ذلك يجركم إلى الله
تعالى بالإخلاص في عبادته ” انتهى .

” محاسن التأويل” ، للقاسمي .

وعلى ذلك تدور عبارات السلف في تعريف الربانيين ، وهم أولى الناس بتربية الناس ،
ودعوتهم إلى الله ؛ أن يتصفوا بالعلم بالشرع الذي إليه يدعون ، والعمل بعلمهم ،
وحسن سياسة الناس بذلك .

قال ابن كثير رحمه الله :

” يقول الرسول للناسِ : كونوا رَبَّانيين . قال ابن عباس وأبو رَزِين وغير واحد :
أي : حكماء ، علماء ، حلماء . وقال الحسن وغير واحد : فقهاء . وكذا
رُوِي عن ابن عباس وسعيد بن جُبير، وقتادة وعطاء الخراساني وعطية العوفي والربيع بن
أنس . وعن الحسن أيضا: يعني أهل عبادة وأهل تقوى ” . انتهى .

“تفسير ابن كثير” (2/66) ، وينظر : “مفتاح دار السعادة” ، لابن القيم (124) ،
“تفسير السعدي” (136) .

ومن غير تحصيل القدر اللازم من العلم والعمل ، وتربية الناس عليه ، وسياسة الخلق به
: لا يستحق الشخص اسم المربي ؛ ولا يمكنه أن يسير بمن يعلمه ويربيه في
طريق الجنة ، ويجنبه طريق النار ، وهو أعظم ما يطلب من المربي أن يقوم به ، بل
هذا هو خلاصة دعوته وتربيته . قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ ) التحريم/6 . قال ابن كثير رحمه الله : ” أي
: مروهم بالمعروف ، وانهوهم عن المنكر، ولا تَدَعوهم هَمَلا فتأكلهم النار يوم
القيامة ” انتهى . “تفسير ابن كثير” (5/240) .

وهذا المعنى هو المروي عن السلف في وقاية النفس والأهل من النار :

قال علي رضي الله عنه : أدّبوهم ، علموهم .

وقال ابن عباس رضي الله عنه : اعملوا بطاعة الله ، واتقوا معاصي الله ، ومروا
أهليكم بالذكر ، ينْجيكم الله من النار.

“تفسير الطبري” (23/491) .

وخلاصة ذلك كله : أن ينبغي للعالم والمربي أن يكون من أهل طاعة الله وذكره ،
والدلالة عليه ، والإرشاد إليه بالقول والعمل ؛ فمن كان كذلك فهو العالم المربي ،
ومن حرم ذلك كله ، لم يكن له من العلم والتربية نصيب ، ومن نقصت منزلته في العلم ،
أو همته في العمل ، فاته من منزلة العالم الرباني بقدر ما فاته من ذلك .

قال ابن القيم رحمه الله :

” فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل ، فلينظر : هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين ؟
وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي ؟ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى ، وهو من أهل
الغفلة : كان أمره فُرُطا ؛ ومعنى الفُرُط : قد فُسِّر بالتضييع ؛ أي : أمره الذي
يجب أن يلزمه ويقوم به ، وبه رشده وفلاحه : ضائع ، قد فَرَّط فيه . وفسر بالإسراف ،
أي : قد أفرط . وفسر بالإهلاك ، وفسر بالخلاف للحق .

وكلها أقوال متقاربة ؛ والمقصود أن الله سبحانه وتعالى نهى عن طاعة من جمع هذه
الصفات ؛ فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه : فإن وجده كذلك فليبعد منه
، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى عز وجل ، واتباع السنة ، وأمره غير مفروط
عليه ، بل هو حازم في أمره : فليستمسك بغرزه ” انتهى . “الوابل الصيب” (56) .

ثانيا
:

التربية الطبيعية للمرأة : إنما تكون في بيتها ، فمنه تأخذ أدبها ، وخلقها ، وما يلزمها في دينها ، وخاصة نفسها .

فإن كان في الوالدين من حصل قدرا من العلم والدين يعينه على ذلك ، لم تحتج المرأة
إلى شيء آخر معهما ، مع اجتهادها في تحصيل ما نقص من العلم بالمطالعة ، والسماع ،
وكل ذلك ميسور ، وسبله متنوعة ، والحمد لله .

و

إذا لم يكن في الأسرة ، من يقوم بهذه المهمة : فلتبحث
عن الصالحات من أقربائها وجيرانها وأهل بيتها ، وتخالط أقربهن إلى الله ، وأحسنهن
دلالة عليه ، وإرشادا إليه ، فلتتعلم من دينها وخلقها ، ما تحتاجه هي في دينها ،
وأدبها في نفسها .

وليكن همتها في قبول الزوج الصالح ، المستقيم على أمر الله ، ليكمل لها ما فاتها من
ذلك ، ويصبرها على طريق الالتزام بدين الله .

ولا يجوز للفتاة أن يكون لها علاقة مباشرة مع رجل أجنبي عنها ، ولو كان شيخا صالحا
، وداعية ومربيا ، تحت مسمى التربية والدعوة والتأديب ، أو غير ذلك من المسميات
والمظلات ، فأضر فتنة على الرجال : النساء ، وأضر فتنة على النساء : الرجال .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

” لما قدم المهاجرون المدينة كان العزاب ينزلون دارا معروفة لهم ، متميزة عن دور
المتأهلين ؛ فلا ينزل العَزَب بين المتأهلين ؛ وهذا كله لأن اختلاط أحد الصنفين
بالآخر سبب الفتنة ؛ فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة اختلاط النار والحطب
” انتهى .

” الاستقامة ” (1/361) .

واعلمي أن من صدق الله ، صدقه الله ، ومن يتحر الخير : يعطه ، ومن يتوق الشر : يوقه
: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ
فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو
الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) الأنفال/29 .

والله أعلم .