الجواب :
الحمد لله
أولا :
ينبغي للمسلم ألا يصاحب إلا التقيّ صاحب الدين والخلق ؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ
إِلَّا تَقِيٌّ ) رواه الترمذي (2395) وحسنه الألباني في “صحيح الترمذي” .
ولما رواه أبو داود (4833) عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : (
الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ) .
وحسنه الألباني في “صحيح أبي داود” وغيره .
قال ابن عبد البر رحمه الله :
” وهذا معناه – والله أعلم – أن المرء يعتاد ما يراه من أفعال من صحبه ، والدين
العادة ، فلهذا أمر ألا يصحب إلا من يرى منه ما يحل ويجمل فإن الخير عادة .
والمعنى في ذلك : ألا يخالط الإنسان من يحمله على غير ما يحمد من الأفعال والمذاهب
، وأما من يؤمن منه ذلك فلا حرج في صحبته ” انتهى من ” بهجة المجالس ” ( 2 / 751 )
.

ثانيا :
يحرم سب المسلم بغير وجه حق ، ونص غير واحد من أهل العلم على أنه من كبائر الذنوب ؛
وذلك لما رواه البخاري (48) ومسلم (64) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله
عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سِبَابُ
الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) .
قال الحافظ رحمه الله :
فِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْحُكْمُ عَلَى مَنْ سَبَّهُ
بِغَيْرِ حَقٍّ بِالْفِسْقِ ” .
انتهى من” فتح الباري” (1/ 112) .
وروى البخاري (6045) عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( لاَ يَرْمِي رَجُلٌ
رَجُلًا بِالفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ ،
إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ ) .
وروى الترمذي (1977) وحسنه عن ابن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ ، وَلَا
اللَّعَّانِ ، وَلَا الفَاحِشِ ، وَلَا البَذِيءِ ) وصححه الألباني في ” صحيح
الترمذي ” .
وروى أحمد (9675) وابن حبان (5764) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ” قَالَ رَجُلٌ :
يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا،
وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا،
قَالَ: ( هِيَ فِي النَّارِ ) ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَإِنَّ فُلَانَةَ
يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا
تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا
بِلِسَانِهَا، قَالَ : ( هِيَ فِي الْجَنَّةِ ) وصححه الألباني في ” الصحيحة ”
(190) .

قال النووي رحمه الله :
” سَبُّ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، وَفَاعِلُهُ
فَاسِقٌ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” انتهى
من “شرح مسلم” (2/ 54) .

وقال أبو الحسن الماوردي رحمه الله :
” مَا قَدَحَ فِي الْأَعْرَاضِ مِنْ الْكَلَامِ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا: مَا
قَدَحَ فِي عِرْضِ صَاحِبِهِ وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ إلَى غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ
شَيْئَانِ : الْكَذِبُ وَفُحْشُ الْقَوْلِ ، وَالثَّانِي : مَا تَجَاوَزَهُ إلَى
غَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ
وَالسِّعَايَةُ وَالسَّبُّ بِقَذْفٍ أَوْ شَتْمٍ. وَرُبَّمَا كَانَ السَّبُّ
أَنْكَاهَا لِلْقُلُوبِ وَأَبْلَغَهَا أَثَرًا فِي النُّفُوسِ ، وَلِذَلِكَ زَجَرَ
اللَّهُ عَنْهُ بِالْحَدِّ تَغْلِيظًا ، وَبِالتَّفْسِيقِ تَشْدِيدًا وَتَصْعِيبًا.
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِأَحَدِ شَيْئَيْنِ : إمَّا انْتِقَامٌ يَصْدُرُ عَنْ
سَفَهٍ ، أَوْ بَذَاءٌ يَحْدُثُ عَنْ لُؤْمٍ ” انتهى من “أدب الدنيا والدين” (ص:
323-324) .

وجاء في ” الموسوعة الفقهية ” (24/ 141):
” سَبُّ الْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ ، وَصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ
كَبِيرَةٌ ، وَإِذَا سَبَّ الْمُسْلِمَ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ، وَحَكَى بَعْضُهُمُ
الاِتِّفَاقَ عَلَيْهِ ” انتهى .
ثالثا :
من سب عموم الناس ، أو سب عموم الرجال ، أو سب عموم النساء ، فقد تعرض لاحتمال إثم
كل رجل ، أو كل من هجاه أو سبه بغير حق ، وقد تعلقت حقوق هؤلاء جميعا بذمته ، وإذا
كان الشرع قد حذر ورهب من تعلق حق مسلم واحد ؛ فكيف بمن يتعرض لحق قبيلة ؛ فكيف بمن
تتعلق بذمتها حق الرجال جميعا ؟!

روى ابن ماجة (3761) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً لَرَجُلٌ هَاجَى
رَجُلًا ، فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا ، وَرَجُلٌ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ
وَزَنَّى أُمَّهُ ) وصحه الألباني في ” صحيح ابن ماجة ” .
فهذه المرأة التي تسب كل الرجال تعرض لإثم كل رجل لم يكن أهلا لما سبت به الرجال ؛
فهل نسيت أن فيهم الصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، والأئمة ، والهداة ، وأهل
الدين ، فضلا عن الأنبياء ، وأصحابهم ؟!
فهل تسب كل هؤلاء عن عمد ؟ وهل تقوى على خصومة هؤلاء جميعا ؟!
وقد قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا )
الأحزاب/ 58 .

فالواجب نصح هذه المرأة ، وتحذيرها وترهيبها مما هي عليه من بذاءة اللسان
واستطالتها في أعراض المسلمين ، وقد روى أبو داود (4876) عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ،
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : ( إنَّ مِنْ أَرْبَى
الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ ) وصححه الألباني
في ” صحيح أبي داود ” .
قال في عون المعبود :
” ( إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا ) : أَيْ أَكْثَره وَبَالًا وَأَشَدّه تَحْرِيمًا
( الِاسْتِطَالَة ) : أَيْ إِطَالَة اللِّسَان ( فِي عِرْض الْمُسْلِم ) : أَيْ
اِحْتِقَاره وَالتَّرَفُّع عَلَيْهِ , وَالْوَقِيعَة فِيهِ بِنَحْوِ قَذْف أَوْ
سَبٍّ , وَإِنَّمَا يَكُون هَذَا أَشَدَّهَا تَحْرِيمًا لِأَنَّ الْعِرْض أَعَزُّ
عَلَى النَّفْس مِنْ الْمَال ” انتهى

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (175618) .
والله تعالى أعلم .