الجواب :
الحمد لله
أولاً :
يستحب صنع الطعام لأهل الميت من أقاربهم وجيرانهم وأصدقائهم ، لانشغالهم بما نزل
بهم من المصاب عن صنع الطعام ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اصْنَعُوا
لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا ، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ ) ، رواه الترمذي
(998) وحسنه ، وأبو داود (3132) ، وابن ماجه (1610) ، وحسنه ابن كثير ، والشيخ
الألباني .
قال الإمام الشافعي : ” وَأُحِبُّ لِجِيرَانِ الْمَيِّتِ ، أَوْ ذِي قَرَابَتِهِ :
أَنْ يَعْمَلُوا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي يَوْمِ يَمُوتُ وَلَيْلَتِهِ : طَعَامًا
يُشْبِعُهُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ ، وَذِكْرٌ كَرِيمٌ ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ
أَهْلِ الْخَيْرِ قَبْلَنَا وَبَعْدَنَا ” انتهى من ” الأم ” (1/ 317) .
وقال الشوكاني رحمه الله : ” فِيه مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ بِمُؤْنَةِ أَهْلِ
الْمَيِّتِ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ ؛ لِاشْتِغَالِهِمْ عَنْ
أَنْفُسِهِمْ بِمَا دَهَمَهُمْ مِنْ الْمُصِيبَةِ ” انتهى من ” نيل الأوطار ” (4/
118).

وهذه السنة تتحقق بأي طريقة
يتم بها إيصال الطعام لأهل الميت ، سواء بصنعه في البيت ، أو بطلب ذلك من المطعم ،
أو غير ذلك ؛ لأن المقصود إطعامهم وكفايتهم ومواساتهم ، ولا فرق في هذا المعنى بين
أن يكون مصنوعاً في البيت أو المطعم ، إلا أن يكون لأهل البلد عرف خاص في ذلك ،
فينبغي مراعاته ، كأن يعتبروا إرسال طعام المطعم : غير لائق بمثلهم ، أو نحو ذلك .

ثانياً :
القول بأن أهل الميت في هذا الزمان ليسوا بحاجة لصنع الطعام لهم ؛ لتوافر المطاعم ،
وعدم تشاغلهم بالميت كما كان الحال في الماضي : غير دقيق ، وبيان ذلك من وجوه :
الأول :
أن النص الشرعي علق الحكم على ” انشغال أهل الميت بميتهم ” ، وهذا الانشغال – سواء
البدني أو الذهني – موجود قبل وجود المطاعم ، وبعد وجودها ، فلا تأثير لتوافرها على
هذا الحكم ؛ لأن النفوس مهما بلغت ، لا بد أن تتكدر ، ولا سيما إذا كان المصاب
جللاً عظيماً .
قال ابن قدامة : ” يُسْتَحَبُّ إصْلَاحُ طَعَامٍ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ ، يَبْعَثُ
بِهِ إلَيْهِمْ ، إعَانَةً لَهُمْ ، وَجَبْرًا لِقُلُوبِهِمْ ؛ فَإِنَّهُمْ
رُبَّمَا اشْتَغَلُوا بِمُصِيبَتِهِمْ ، وَبِمَنْ يَأْتِي إلَيْهِمْ ، عَنْ
إصْلَاحِ طَعَامٍ لَأَنْفُسِهِمْ “.
انتهى من ” المغني ” (3/496) .
الثاني :
أن أهل الميت كما شغلوا بميتهم عن صنع الطعام ، فهم مشغولون به أيضاً عن التواصل مع
المطاعم لطلب الطعام وتحديد الوجبات المطلوبة ، وربما وجد أهل الميت غضاضة وحرجا في
أنفسهم من طلب الطعام من المطعم ، وهم على تلك الحال ، بل قد يعيبهم الناس بذلك ،
ويرون ذلك منهم قلة اكتراث بمصابهم ، واهتمام بأمر ميتهم ، ومثل ذلك يحصل ، ويقال
!!
الثالث :
لو كان الحكم منوطاً بقدرتهم على صنع الطعام فقط ؛ لاستثني العلماء من هذا الحكم :
أهل الغنى والثراء ، ممن لهم خدم وحشم يخدمونهم ، ولطُلب منهم تكليف خدمهم غير
المشغولين بالميت بصنع الطعام ، بدلاً من ندب الجيران والأصدقاء لصنع الطعام لهم .
الرابع :
أن تقديم الطعام لأهل الميت من الجيران والأقارب والأصدقاء ، فيه معنى زائد عن مجرد
إطعامهم ، وهو تحقيق الترابط الاجتماعي والمواساة ، وإشعارهم بالوقوف إلى جانبهم في
هذه المصيبة التي نزلت بهم .
ولذلك قال ابن العربي : ” وهو أصل في المشاركات عند الحاجة … فذهولهم عن حالهم
بحزن موت وليهم ، اقتضى أن يتكلف لهم عيشهم ” انتهى من ” عارضة الأحوذي” (4/219).
الخامس :
أن الانشغال الوارد في الحديث كما يشمل الانشغال البدني ، يشمل الانشغال الذهني ،
فهم مشغولون بسبب هذا المصاب ذهنياً عن التفكير بصنع الطعام أو طلبه من المطاعم أو
تكليف الخدم بصنعه .
قال العيني : ” يستفاد من الحديث استحباب صنعة الطعام لأهل الميت ، سواء كان الميت
حاضرا ، أو جاء خبر موته ، وذلك لاشتغال أهله بخبره ، أو بحاله ، ولذلك علل عليه
السلام بقوله: ( فإنه قد أتاهم أمرٌ يَشغَلُهم ) أي: فإن الشأن : قد أتاهم أمر، أي:
شأن وحالة ، شَغلهم عن صنعة الطعام وغيره ” انتهى من ” شرح سنن أبي داود ” (6/ 59)
.

ومع ذلك : فالواجب أن يبقى
الأمر في حدوده المشروع ، دون الخروج به عن الحد المعقول إلى المباهاة والمفاخرة .
قال السيوطي : ” هَذَا الْأَمر كَانَ فِي الِابْتِدَاء على الطَّرِيقَة المسنونة ،
ثمَّ صَار حَدثا فِي الْإِسْلَام ، حَيْثُ صَار مفاخرة ومباهاة ، كَمَا هُوَ
الْمَعْهُود فِي زَمَاننَا ؛ لِأَن النَّاس يَجْتَمعُونَ عِنْد أهل الْمَيِّت ،
فيبعث أقاربهم أطعمة لَا تَخْلُو عَن التَّكَلُّف ، فَيدْخل بِهَذَا السَّبَب
الْبِدْعَة الشنيعة فيهم “. انتهى من ” شرح سنن ابن ماجه ” ( ص: 116) .
والله أعلم .