الجواب :

الحمد لله

أولاً :
نحب أن نهنئك على نيتك وعزمك على الحج ، ففي مثل هذه السن ، وفي تلك البلاد البعيدة
يندر من يفكر في أداء هذه الفريضة العظيمة ، ولعلَّ ذلك بسبب انشغالهم بالدنيا
وحرصهم على المال ، والتطبع بطبائع أهل تلك البلاد الكافرة ، ومن أجل ذلك فقد أوصى
الشرع بعدم السكنى معهم ، وقد نبهنا على هذا مراراً ، فنسأل الله تعالى أن يوفقك
وأهلك لسكنى بلاد الإسلام .

ثانياً:
اعلمي – يا أختنا – أن المعاصي تغضب الله تعالى ، ويستحق فاعلها العقوبة ، ولا فرق
بين أن تكون تلك المعاصي قبل الحج أو بعده ، وقد كتب الإمام ابن القيم في كتابه ”
الجواب الكافي لمن سئل عن الدواء الشافي ” جملة من آثار المعاصي على صاحبها – وقد
ذكرناها بتفصيل في جواب السؤال رقم : (
23425 ) – ومما ذكره رحمه الله : أن المعاصي
سبب للوحشة بين العبد وربه ، وهي سبب لذهاب البركة ، وسوء الخاتمة ، وتعسير الأمور
، وقلة الرزق.
ومن فضل الله تعالى على هذه الأمة أن جعل لها مواسم خير يغتنمها المسلم ليكفِّر عن
سيئاته وليزداد ثوابه ، فصوم يوم عرفة يكفر سنتين ، وصوم يوم عاشوراء يكفِّر سنة ،
وهكذا .
ومن أعظم مواسم الخير وأعمال الطاعات : الحج ، فقد جاء في السنة الصحيحة أنه : ( من
حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) رواه البخاري ( 1683 ) ، ومسلم ( 1349 )
.

والمسلم العاقل يغتنم مثل هذه الفرص لا ليعود بعد تلك الأعمال ليبدأ من جديد في
المعاصي ، بل ليفتح صفحة جديدة في صحيفته ، ويصطلح مع ربه تبارك وتعالى ، وإذا علم
المسلم أنه لم يعد عنده من المعاصي شيء : شكر ربه تعالى ، ومن الشكر أنه لا يعود
إلى ما يغضبه .
وليس يعني هذا أن من حج لن يعود إلى المعصية ؛ بل معناه أن من شأن الطاعات بصفة
عامة أن تحجز صاحبها عن المعاصي ، بمن من الله وفضل ، ومن شأنها أيضا ، ولا سيما
الحج : أن تذهب عن العبد آثار المعاصي ، وعارها .
ومن أجل ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تابعوا بين الحج والعمرة ؛ فإنهما
ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ، وليس للحجة
المبرورة ثواب إلا الجنة ) رواه الترمذي ( 810 ) وصححه ، والنسائي ( 2631 ) ، وصححه
الألباني في ” صحيح الجامع ” (2901).
وهذا دليل على أن المسلم قد يأتي قبل الحج وبعده بذنوب ومعاصي ، وليس أحدٌ معصوماً
عن الوقوع في المعصية ، لكنه إذا كان كثير الحج والعمرة فإن ذنوبه تكفَّر بهذه
المتابعة .

وليس القصد أن نقول إن العبد له رخصة في المعاصي ، بعد الحج ، أو قبله ، حاش لله
، وهيهات ، فلا رخصة لأحد في معصية الله ، لكننا نريد أن نقول : لو أن كل صاحب
معصية ، امتنع من حج بيت الله ، لما حج بيت الله أحد ، ولما قام أحد بشعيرة الله .

وهكذا الحال : لو كان كل من خاف من المعصية : لم يحج ، لبطل حج بيت الله الحرام ؛
فما من عبد مؤمن ، يأمن على نفسه الوقوع في المعاصي في حال من الأحوال ؛ وغاية ما
في الأمر أن نقول :
إن الله أمر عباده بالتوبة ؛ فقال : ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) النور/31 ؛ وهذا أمر عام بالتوبة من
المعاصي ، صغيرها وكبيرها .
ومن تمام التوبة : أن يوطن العبد نفسه على ألا يعود إلى شيء منها .
فإن غلبته نفسه ، فعاد إلى شيء منها : وجب عليه أن يبادر بالتوبة مرة أخرى ،
والإكثار من الخيرات .
إن الوقوع في الذنب يستوجب علينا أن نبادر إلى عمل الطاعة ، وأن نستكثر من الطاعات
في كل وقت وحين ، لا أن نفرط في طاعة عظيمة ، كحج بيت الله الحرام ، خشية من الوقوع
في الذنب مرة أخرى ؛ فهذا عكس لطبائع الأمور .

ثالثاً :
وأما الذهاب مع عمك : فنعم ، يجوز لك الذهاب مع عمك ؛ لأنه من محارمك ؛ فإن كان هذا
هو حج الفريضة : فذهابك معه واجب عليك ، وليس جائزا فقط .
فاستعيني بالله يا أمة الله ، وبادري إلى الحج ، واجتهدي في التوبة إلى الله ،
والافتقار إليه أن يحفظك من الذنب والزلل .

والله أعلم .