عندي إحدى قريباتي تعاني من ضيق في الصمام ، وقد قررت لها عملية في إحدى الدول الغربية ، وهناك خياران لعمل قناة داخلية للصمام : إما أن تكون القناة من المعدن ، ويترتب عليه ترسب الدم حوله ، مما يجبرها على أخذ عقاقير معينة طيلة حياتها لإزالة هذه الرواسب ، أو أن تكون القناة من جلد الخنزير ، الأمر الذي لا يترتب عليه ما يترتب على القناة المعدنية ، فهل يجوز لها اختيار جلد الخنزير لعمل هذه القناة الداخلية ؟.
الحمد لله
أولاً :
اختلف الفقهاء في طهارة جلد الخنزير بالدباغ ، فذهب الشافعي إلى
أن الدباغ يطهر جميع أنواع الجلود ما يؤكل منه وما لا يؤكل ما عدا الكلب والخنزير ،
وذهب أبو حنيفة إلى استثناء الخنزير فقط ، ورأى الإمام أحمد ومالك أن جلود الميتة
كلها لا تطهر بالدباغ ، ومنها الخنزير، وعن أحمد رواية أنه يطهر بالدباغ جلد ما كان
طاهراً في الحياة ، ولو كان غير مأكول اللحم ، ورواية أخرى أنه لا يطهر بالدباغ إلا
جلد مأكول اللحم فقط .
وذهب داود الظاهري وابن حزم – ويروى عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة
وبعض المالكية كسحنون وابن عبد الحكَم وعبد المنعم بن الفرس – والشوكاني من
المتأخرين : إلى طهارة جميع الجلود بالدباغ بما في ذلك الكلب والخنزير .
ثانياً :
واختلف العلماء في حكم الانتفاع بجلد الخنزير بعد دباغته ، فأما
من ذهب إلى طهارته بعد الدباغ فلا يشك في جواز استعماله عنده لعموم الاستعمالات ،
وبعض من قال بعدم تطهير الدباغ لجلد الخنزير قالوا بجواز الانتفاع به في اليابسات
دون المائعات ، وهو رواية عن الحنابلة ، ومعنى ذلك : أنه يصح أن يكون وعاء يوضع به
الحبوب ، كما يشمل ذلك استعماله في اللبس كالحذاء وغيره .
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 20 / 34 ) :
“اتّفق الفقهاء على أنّه لا يطهر جلد الخنزير بالدّباغ ولا يجوز
الانتفاع به لأنّه نجس العين ، والدّباغ كالحياة ، فكما أنّ الحياة لا تدفع
النّجاسة عنه ، فكذا الدّباغ ……….
وروي عن أبي يوسف أنّ جلد الخنزير يطهر بالدّباغ .
ويقابل الرّواية المشهورة عند المالكيّة ما شهره عبد المنعم بن
الفرس من أنّ جلد الخنزير كجلد غيره في جواز استعماله في اليابسات والماء إذا دبغ
سواء ذكّي أم لا ” انتهى.
وقد سبق في إجابة السؤال رقم (
1695 ) أن جلد الخنزير نجس ولا يطهر
بالدباغ ، ونقلنا في جواب السؤال رقم (
13213 ) عن الشيخ ابن باز – رحمه الله – أن الأحوط تركه ولو بعد الدباغ لوجود
الخلاف فيه .
ثالثاً :
يتبين مما سبق أن طهارة جلد الخنزير بالدباغ من المسائل
الاجتهادية ، وليس الأمر كحكم لحم الخنزير ، فإن تحريم لحمه من مسائل الاتفاق التي
لا يجوز الخلاف فيها .
وعلى القول بطهارة جلد الخنزير بالدباغ فلا إشكال في جواز
استعماله .
وعلى القول بعدم طهارته بالدباغ لا شك في جواز استعماله إذا كانت
هناك ضرورة ، وإذا كان لحمه الذي اتفق على حرمته يجوز تناوله للضرورة : فإن استعمال
جلده المدبوغ والذي اختلف فيه أولى بالجواز والإباحة .
رابعاً :
أما بخصوص استعمال جلد الخنزير في صنع صمام للقلب : فإذا لم يمكن
صنع الصمام من جلد طاهر فإنه يجوز صنعه من جلد الخنزير للضرورة ، ويقدَّم على
المعدن الذي يتسبب في أخذ أدوية باستمرار قد تؤدي إلى أضرار جانبية كثيرة .
قال النووي رحمه الله :
“إذا انكسر عظمه فينبغي أن يجبره بعظم طاهر ، قال أصحابنا – يعني
: الشافعية – : ولا يجوز أن يجبره بنجس ، مع قدرته على طاهر يقوم مقامه ، فإن جبره
بنجس نُظر ، إن كان محتاجاً إلى الجبر ، ولم يجد طاهراً يقوم مقامه : فهو معذور ،
وإن لم يحتج إليه ووجد طاهراً يقوم مقامه : أثم ، ووجب نزعه إن لم يخف على نفسه تلف
نفسه ، ولا تلف عضو ” انتهى.
” المجموع ” ( 3 / 145 ) .
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي – تعليقاً على كلام النووي – :
“فبيَّن رحمه الله أن الأصل يقتضي حرمة التداوي بالعظم النجس ،
وينبغي أن يقدم عليه العظم الطاهر ، فإن لم يجد وجبره بعظم نجس : فإنه ينبغي أن
يتحقق شرطان :
الأول : أن يكون محتاجاً إلى جبر عظمه .
الثاني : ألاَّ يجد طاهراً يقوم مقامه .
فإن تخلَّف أحد الشرطيْن : فإنه لا يجوز له الجبر بالنجس ،
ويُعتبر آثماً لو جبر به ، ويجب عليه نزعه ، بشرط عدم خوف التلف على نفسه ، أو عضو
من أعضائه .
وبناءً على هذا التفصيل : فإن التداوي بنقل أعضاء الحيوان في هذا
الضرب – [ أي : الحيوان غير الطاهر ] – ينبغي أن يتحقق فيه شرطان :
الأول : أن يكون الشخص المريض محتاجاً إلى نقل عضو الحيوان النجس
إليه ، ويتحقق هذا الشرط بشهادة الأطباء المختصين بهذه الحاجة .
والثاني : ألاَّ يوجد العضو الطاهر الذي يمكن أن يقوم مقامه .
فإذا تحقق هذان الشرطان : فإنه لا حرج في قيام الطبيب الجرَّاح
بنقل العضو النجس وجزئه، ولا يُعتبر وجود ذلك العضو النجس في جسم المريض مؤثراً في
صلاته وعبادته التي يًُشترط لها الطهارة ؛ نظراً لمكان العذر الموجب للترخيص بوجود
هذه النجاسة” انتهى .
” أحكام الجراحة الطبية ” ( ص 268 ) .
وهكذا قرَّر مجلس ” المجمع الفقهي الإسلامي ” جواز “أن يؤخذ
العضو من حيوان مأكول ومذكى مطلقاً ، أو غيره عند الضرورة لزرعه في إنسان مضطر
إليه”.
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله : إن جراحي
القلوب قد يضعون عِرقاً أو شرياناً معدنيّاً ، وقد يضعون – أيضاً – شرياناً يأخذونه
من الخنزير , مع أن الشريان الذي من المعدن قد يصيبه الصدى , والشريان الذي من
الخنزير يكون أحسن ، وقد يلتحم ويصير وكأنه من الإنسان نفسه , فما حكم ذلك ؟ .
فأجاب :
” لا بأس به ، أي : لا بأس أن يَصِل إنسانٌ شريان قلبه بشريان
حيوان آخر , وينظر إلى ما هو أنسب لقلبه ؛ لأن هذا ليس من الأكل ، إنما حرم الله
أكل الخنزير ، وهذا ليس أكلاً , وإذا علمنا أنه لا ينفعه إلا هذا : فهذا من باب
الضرورة , وقد قال الله تعالى في أكل لحم الخنزير الأكل المباشر : ( وَقَدْ فَصَّلَ
لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ )
الأنعام/119 ” انتهى .
” لقاءات الباب المفتوح ” ( 106 / السؤال رقم 2 )
والله أعلم .
