دائما ما نسمع في بلادنا أن وقت المغرب لا يجب أن نبقي أية ملابس لنا خارج البيت (وأعني بها الملابس التي تعلق في الخارج لتجف) ، وسمعت أن ذلك لأن وقت المغرب تقوم الشياطين بإثارة الفوضى. وأخبرت أيضا أنني يجب أن أقول بسم الله الرحمن الرحيم ، وأن أغلق الستائر. وسؤالي هو: هل هذه عادة إسلامية أن لا نترك الملابس معلقة بالخارج وقت المغرب ، أم إنها مجرد عرف وعادة شعب.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا :

السنة عند إقبال الليل منع الصبيان – وكذا سائر البهائم من الإبل والغنم وغيرها –
من الخروج ؛ لأن هذه ساعة تنتشر فيها الشياطين في الأرض ، فيخشى على الصبيان منهم ،
أن يمسوهم بأذى .

فعن
جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(
إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ ، أَوْ أَمْسَيْتُمْ ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ ،
فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ
اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ
اللَّهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا ، وَأَوْكُوا
قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ
اللَّهِ ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا
مَصَابِيحَكُمْ ) .

رواه البخاري (5623) – واللفظ له – ومسلم (2012) .

و”
جنح الليل ” : إقباله بعد غروب الشمس ، وهو أول الليل .

وروى الإمام أحمد (14482) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( احْبِسُوا
صِبْيَانَكُمْ حَتَّى تَذْهَبَ فَوْرَةُ الْعِشَاءِ ؛ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ
تَخْتَرِقُ فِيهَا الشَّيَاطِينُ ) .

و”
فورة العشاء ” أوّل ساعة من الليل .

 

وروى مسلم (2013) عَنْ جَابِرٍ أيضا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(
لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى
تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتْ
الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ ) .

قال
النووي رحمه الله :


قَالَ أَهْل اللُّغَة : ( الْفَوَاشِي ) : كُلّ مُنْتَشِر مِنْ الْمَال كَالْإِبِلِ
وَالْغَنَم وَسَائِر الْبَهَائِم وَغَيْرهَا , وَهِيَ جَمْع فَاشِيَة ; لِأَنَّهَا
تَفْشُو , أَيْ : تَنْتَشِر فِي الْأَرْض ” انتهى .

والمعنى في هذه الأحاديث
: امنعوهم عن التردد والخروج من البيوت في ذلك الوقت ؛ فإن الليل محل تصرف الشياطين
، وحركتهم في أوّل انتشارهم أشدّ اضطرابا ، فيُخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء
الشياطين لكثرتهم حينئذ .

راجع : “شرح النووي على مسلم” (13 / 185) – “غريب الحديث” للخطابي (1/448) –
“التيسير بشرح الجامع الصغير” (1 / 83) .

 

ثانيا :

المنع من نشر الغسيل ليجف في ذلك الوقت ليس له وجه ولا مستند ، ولا علاقة لنشر
الغسيل بأول الليل أو آخره ، ولا انتشار الشياطين أو عدمه ؛ ولم يرد بذلك حديث صحيح
أو ضعيف ، فيما نعلم ، وإنما وردت السنة في منع الصبيان وسائر البهائم – كما تقدم –
.

 

ثالثا :

دل
قوله صلى الله عليه وسلم : ( وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ
اللَّهِ … ) ، وقد مضى الحديث بتمامه ، على أن السنة إغلاق الأبواب ، وتغطية
الآنية بالليل ، وذكر اسم الله على ذلك كله .

وما
كان في معنى الأبواب كالستائر التي تستر بها الأبواب أو النوافذ ونحوها ، فلها حكم
الأبواب ، من استحباب إرخائها ، وغلقها بالليل ، وذكر اسم الله عليها .

قال
النووي رحمه الله :


هَذَا الْحَدِيث فِيهِ جُمَل مِنْ أَنْوَاع الْخَيْر وَالْأَدَب الْجَامِعَة
لِمَصَالِح الْآخِرَة وَالدُّنْيَا , فَأَمَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِهَذِهِ الْآدَاب الَّتِي هِيَ سَبَب لِلسَّلَامَةِ مِنْ إِيذَاء الشَّيْطَان ,
وَجَعَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْأَسْبَاب أَسْبَابًا لِلسَّلَامَةِ مِنْ
إِيذَائِهِ فَلَا يَقْدِر عَلَى كَشْف إِنَاء وَلَا حَلّ سِقَاء , وَلَا فَتْح بَاب
, وَلَا إِيذَاء صَبِيّ وَغَيْره , إِذَا وَجَدْت هَذِهِ الْأَسْبَاب . وَهَذَا
كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح : : إِنَّ الْعَبْد إِذَا سَمَّى عِنْد دُخُول
بَيْته قَالَ الشَّيْطَان : لَا مَبِيت ” أَيْ : لَا سُلْطَان لَنَا عَلَى
الْمَبِيت عِنْد هَؤُلَاءِ , وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ الرَّجُل عِنْد جِمَاع أَهْله
: ” اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَان وَجَنِّبْ الشَّيْطَان مَا رَزَقْتنَا ”
كَانَ سَبَب سَلَامَة الْمَوْلُود مِنْ ضَرَر الشَّيْطَان .

وَفِي هَذَا الْحَدِيث : الْحَثّ عَلَى ذِكْر اللَّه تَعَالَى فِي هَذِهِ
الْمَوَاضِع , وَيَلْحَق بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا . قَالَ أَصْحَابنَا :
يُسْتَحَبّ أَنْ يُذْكَر اِسْم اللَّه تَعَالَى عَلَى كُلّ أَمْر ذِي بَال ” انتهى
.

وينظر إجابة السؤال رقم : (127141)
، (101681)
.

فالخلاصة : أن
إغلاق الأبواب والنوافذ ، وما في معناها ، وذكر اسم الله عليها هذا الوقت هو أدب
إسلامي صحيح .

وأما المنع من نشر
الملابس فلا أصل له .

والله أعلم .