الجواب :
الحمد لله
أولا : قول العبد في دعائه : ” يا رب اجعلني واحدًا من الطائعين في نظرك ”
فإن كان يقصد أن لا يسقط من عين الله ، وأن يلاحظه الله تعالى بلطفه وكرمه ؛ كقول
ابن القيم رحمه الله ـ في “مدارج السالكين” (1 /474) ـ في وصف المخلص المتجرد :
” لا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجاب الله عنه “
وقول بعضهم ـ كما في “مدارج السالكين” (2 /91) أيضا ـ : ” من تزين للناس بما ليس
فيه سقط من عين الله ” ؛ فهذا معنى صحيح .

وإن كان يقصد ” اجعلني واحدا
من الطائعين عندك ” ، كما يقول العوام ” هذا في نظري معناه كذا وكذا ” يعني عندي ،
فيقصد : اجعلني من المطيعين حقا : فالمعنى صحيح ، ولكن اللفظ لا يصح ، فلا يليق
بالعبد أن يخاطب الله تعالى بهذه الألفاظ الدارجة ، فإن الله تعالى يدعى بأسمائه
وصفاته ، ويُلتزم في دعائه بآداب الدعاء الشرعية ، ويتأدب العبد مع ربه عند سؤاله
ونجواه .

والأولى في مثل ذلك أن يحتاط
العبد لنفسه ، ولا سيما في الدعاء الذي هو عبادة ، يرجو أن يكون على وجه مقبول عند
ربه ، فينبغي عليه أن يأخذ ما يعرف من الأدعية المأثورة السالمة ، ويدع ما ينكر ،
وما اشتبه عليه .

ثانيا :
من أسرف على نفسه ثم تاب : تاب الله عليه ، قال الله تعال : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )
الزمر / 53.
قال ابن القيم رحمه الله :
” قد استقرت حكمة الله عدلا وفضلا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وقد ضمن الله
سبحانه لمن تاب من الشرك وقتل النفس والزنا : أنه يبدل سيئاته حسنات ، وهذا حكم عام
لكل تائب من ذنب ، فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد ، ولكن هذا في حق التائبين خاصة
” انتهى من “الجواب الكافي” (1 / 116) .

ثالثا :
يشرع للتائب من الذنب أن يصلي صلاة التوبة ، وذلك أن يصلي ركعتين يجتهد فيهما
بالإخلاص وحضور القلب والإقبال على الله ، ثم يستغفر الله ويتوب إليه مما فعل من
الذنب . راجع لمعرفة المزيد عن صلاة التوبة جواب السؤال رقم : (98030)
.

وتشرع هذه الصلاة لكل ذنب
صغير أو كبير .

وتكفيك صلاة واحدة عن جميع
الذنوب السالفة ، على أن تكون صادق العزم على التوبة النصوح ، فتصلى ركعتين تقبل
فيهما على الله وأنت منكسر ذليل خاضع لله ، ثم تستغفر الله وتتوب إليه مما فعلت ؛
وذلك لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا (شك أحد الرواة)
يُحْسِنُ فِيهِمَا الذِّكْرَ وَالْخُشُوعَ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ عَزَّ
وَجَلَّ ، غَفَرَ لَهُ ) رواه أحمد (26998) ، وذكره الألباني في “سلسلة الأحاديث
الصحيحة” (3398) .
وروى البخاري (164) ومسلم (226) عن عثمان رضي الله عنه قال : رَأَيْتُ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا وَقَالَ : (
مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ
فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) .

فتكون هذه الصلاة ، وهذا
الاستغفار بمثابة بداية عهد جديد ، أقبلت فيه على الله وعلى العمل فيما يرضيه ،
وتركت معصيته وخلاف أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .

ولو أُمِرَ كثير من التائبين
أن يصلوا صلاة التوبة لكل ذنب أسلفوه ، لظلوا يصلون حتى يلقوا ربهم ، ولكن التوبة
الصادقة تجب ما قبلها كله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” مَنْ تَابَ تَوْبَةً عَامَّةً كَانَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ مُقْتَضِيَةً
لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ كُلِّهَا ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ أَعْيَانَ الذُّنُوبِ
، إلَّا أَنْ يُعَارِضَ هَذَا الْعَامَّ مُعَارِضٌ يُوجِبُ التَّخْصِيصَ ؛ مِثْلُ
أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الذُّنُوبِ لَوْ اسْتَحْضَرَهُ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ ؛ لِقُوَّةِ
إرَادَتِهِ إيَّاهُ أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ حَسَنٌ لَيْسَ بِقَبِيحِ . فَمَا
كَانَ لَوْ اسْتَحْضَرَهُ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ : لَمْ يَدْخُلْ فِي التَّوْبَةِ ،
وَأَمَّا مَا كَانَ لَوْ حَضَرَ بِعَيْنِهِ ، لَكَانَ مِمَّا يَتُوبُ مِنْهُ :
فَإِنَّ التَّوْبَةَ الْعَامَّةَ شَامِلَتُهُ ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (10 /328)
.

على أنه مما ينبغي أن يعلم
أن هذه الصلاة ، صلاة التوبة ، ليست واجبة من الأصل ، كما جاء في عبارة السائل ، بل
هي من المستحبات ، باتفاق المذاهب الأربعة .

ثالثا :
لا يعني ذلك منعك من كثرة الصلاة والاستغفار ؛ فإن الإكثار من الصلاة والاستغفار
مشروع غير محدود بحد ، وهو مما يدل على صدق الإقبال على الله تعالى وصحة التوبة .
وقد روى الطبراني في “المعجم الأوسط” (243) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : ( الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر ) .
حسنه الألباني في “صحيح الجامع” (3870) .
فدوام الصلاة ودوام الاستغفار مشروع بكل حال ، ولكن لا يلزم أن يكون ذلك بنية
التوبة ، بل استكثر من الحسنات : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ
وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ
ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ ) هود/114-115 .

راجع للفائدة إجابة السؤال
رقم : (14289) .

والله تعالى أعلم .