الجواب :
الحمد لله
أولا :
” الْأَصْلُ فِي الْآدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ
آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا ، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ ، فَإِذَا لَمْ
يُعْلَمْ ذَلِكَ الْعَارِضُ ، فَلَهُ حُكْمُ الْأَصْلِ ” انتهى من ” المغني ” (6/
112) .
ثانيا :
لا يجوز استرقاق الحر أو الحرة ولو رضيا ؛ لما في ذلك من إبطال حق الله تعالى .
روى البخاري في صحيحه (2114) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( قَالَ اللَّهُ : ثَلَاثَةٌ
أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ،
وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا
فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ ) .
وترجم عليه البخاري في صحيحه : ” باب إثم من باع حرا ” انتهى .
قال الشهاب الحموي رحمه الله
:
” لا يجوز اسْتِرْقَاقُ الْحُرِّ بِرِضَاهُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ
اللَّهِ تَعَالَى ” انتهى من ” غمز عيون البصائر ” (2/ 406) .
وقال الكاساني رحمه الله في ” بدائع الصنائع ” (4/ 124) :
” .. فِي الْحُرِّيَّةِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ
بِإِسْقَاطِ الْعَبْدِ ” انتهى .
وانظر : ” المحيط البرهاني ” (9/ 215) ، ” درر الحكام ” (2/ 190) .
ثالثا :
” يَدْخُل الرَّقِيقُ فِي مِلْكِ الإْنْسَانِ بِوَاحِدٍ مِنَ الطُّرُقِ الآْتِيَةِ
:
أَوَّلاً : اسْتِرْقَاقُ الأْسْرَى وَالسَّبْيِ مِنَ الأْعْدَاءِ الْكُفَّارِ .
وَلاَ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ اسْتِرْقَاقِ الْمُسْلِمِ ؛ لأِنَّ الإْسْلاَمَ يُنَافِي
ابْتِدَاءَ الاِسْتِرْقَاقِ ؛ لأِنَّهُ يَقَعُ جَزَاءً لاِسْتِنْكَافِ الْكَافِرِ
عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى .
ثَانِيًا : وَلَدُ الأْمَةِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا ، يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي
الرِّقِّ ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَبُوهُ حُرًّا أَمْ عَبْدًا ، وَهُوَ رَقِيقٌ
لِمَالِكِ أُمِّهِ ، لأِنَّ وَلَدَهَا مِنْ نَمَائِهَا ، وَنَمَاؤُهَا لِمَالِكِهَا
، وَلِلإْجْمَاعِ .
ثَالِثًا : الشِّرَاءُ مِمَّنْ يَمْلِكُهُ مِلْكًا صَحِيحًا مُعْتَرَفًا بِهِ
شَرْعًا ، وَكَذَا الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمِيرَاثُ
وَغَيْرُهَا مِنْ صُوَرِ انْتِقَال الأْمْوَال مِنْ مَالِكٍ إِلَى آخَرَ ” .
“الموسوعة الفقهية” (23/ 12-13) .
فعلى ما تقدم :
لا يصح استرقاق المسلم ، إلا في حالين :
الأولى : أن يكون الرق قد جرى عليه في كفره ، ثم أسلم بعد ذلك ؛ فإنه لا يعتق على
مالكه بمجرد إسلامه ، ويصح بيعه وشراؤه .
الثاني : أن تكون أمه رقيقا ، فيرث الرق عنها .
قال الشنقيطي رحمه الله :
” فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الرَّقِيقُ مُسْلِمًا ، فَمَا وَجْهُ مِلْكِهِ
بِالرِّقِّ ؟ مَعَ أَنَّ سَبَبَ الرِّقِّ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ وَمُحَارَبَةُ
اللَّهِ وَرُسُلِهِ ، قَدْ زَالَ ؟
فَالْجَوَابُ : أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَكَافَّةِ
الْعُقَلَاءِ : أَنَّ الْحَقَّ السَّابِقَ لَا يَرْفَعُهُ الْحَقُّ اللَّاحِقُ ،
وَالْأَحَقِّيَّةُ بِالْأَسْبَقِيَّةِ ظَاهِرَةٌ لَا خَفَاءَ بِهَا ،
فَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَمَا غَنِمُوا الْكُفَّارَ بِالسَّبْيِ ثَبَتَ لَهُمْ حَقُّ
الْمِلْكِيَّةِ بِتَشْرِيعِ خَالِقِ الْجَمِيعِ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ،
فَإِذَا اسْتَقَرَّ هَذَا الْحَقُّ وَثَبَتَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الرَّقِيقُ بَعْدَ
ذَلِكَ ، كَانَ حَقُّهُ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الرِّقِّ بِالْإِسْلَامِ مَسْبُوقًا
بِحَقِّ الْمُجَاهِدِ الَّذِي سَبَقَتْ لَهُ الْمِلْكِيَّةُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ،
وَلَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ رَفْعُ الْحَقِّ السَّابِقِ ، بِالْحَقِّ
الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ ، نَعَمْ ،
يَحْسُنُ بِالْمَالِكِ ، وَيَجْمُلُ بِهِ أَنْ يُعْتِقَهُ إِذَا أَسْلَمَ ، وَقَدْ
أَمَرَ الشَّارِعُ بِذَلِكَ وَرَغَّبَ فِيهِ ، وَفَتَحَ لَهُ الْأَبْوَابَ
الْكَثِيرَةَ ” انتهى من ” أضواء البيان ” (3/ 31) .
فأما إذا لم تكن المرأة قد
استرقت في حرب الكفار ، أو كانت قبل ذلك رقيقا ، ثبت عليها ذلك ثبوتا شرعيا صحيحا ،
فلا يحق استرقاقها ، ولا عقد ملك يمين عليها ، ولو رضيت هي بذلك ، أو رضي به
أولياؤها .
وانظر إجابة السؤال رقم : (12562) ،
والسؤال رقم : (26067) .
والله أعلم .
