الجواب :
الحمد لله
التساؤل حول العقوبة الدنيوية لبعض الذنوب من أكثر التساؤلات التي تحول بين الناس
وبين التوبة ، ومن أكثر التساؤلات التي تطرأ في أذهان العاصين فتتركهم في هواجس
دائمة لا يملكون الخروج من وحلها إلا أن يشاء الله ، وهذا كله مناقض لحقيقة التوبة
نفسها ؛ فليست عقوبة الآخرة بأقل شأنا من عقوبة الدنيا ، فإذا استمر العاصي
بالتساؤل عن جدوى التوبة وكأنها لا ترفع العقاب المحقق من الله عز وجل ، فلن يتوب
أبدا ؛ ولا بد أن يستحضر أنه حين يتوب يطلب من الله سبحانه أن يعافيه من آثار الذنب
، سواء في الدنيا أو في الآخرة ، فيعود كما لو أنه لم يذنب أصلا ، بل يعود بعد
التوبة أفضل حالا وشأنا منه قبلها ، وذلك إن أحسن التوبة وحرص على تكميلها .
وإذا كانت التوبة تمحو آثار الكفر كلها ، فهي أجدر أن تمحو أيضا آثار المعصية في
الدنيا ؛ وذلك لما تنطوي عليه التوبة من عبادات عظيمة جليلة كالتذلل على أعتاب رحمة
الله سبحانه ، والصدق في استحضار معاني اللجوء إليه عز وجل ، طلبا للرحمة والمغفرة
والرضوان . وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام : ( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ
كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ) رواه ابن ماجه (4250) ، وحسنه الحافظ ابن حجر في ” فتح
الباري ” (13/471)، والألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .
قال المناوي رحمه الله :
” لأن التائب حبيب الله ( إن الله يحب التوابين ) وهو سبحانه لا يعذب حبيبه ، بل
يغفر له ويستره ويسامحه …. قال الغزالي : من تاب قبل الموت ، لم تضره الذنوب
الماضية وإن كثرت ، كما لا يضره الكفر الماضي بعد الإسلام ” انتهى من ” فيض القدير
” (3/276) .
إذن هما خوفان ، خوف من عقاب الله في الآخرة ، وخوف من آثار المعصية في الدنيا ،
وهي آثار خطيرة جليلة ، وكلا الخوفين واجب على العبد ، لكنه خوف لا يبلغ اليأس
والقنوط ، بل محفز له كي يسارع في طريق التوبة ، فيطلب من الله تعالى أن يتجاوز عنه
كلا العقابين ، ويبدل سيئاته حسنات ، وذلك ما تحققه التوبة الصادقة .
لذلك : إن أهم ما يجب عليك العناية به تحقيق التوبة بين يدي الله تعالى ، بصدق
الندم على ما فات ، والانقطاع عن وحل المعصية والعلاقات المحرمة ، والعزم على عدم
العودة إليها ، وكثرة الاستغفار وعمل الصالحات ، فإذا قبل الله توبتك ، تجاوز عن
آثار ذنبك في الدنيا والآخرة ، فلم يعاقبك في أهلك وأولادك بجنس عملك في الدنيا ،
وتجاوز عنك يوم الحساب ، وهذا ما تقتضيه قاعدة ” الجزاء من جنس العمل ” نفسها ،
فالتائب يجازى من جنس عمله ، فكما أحسن بالتوبة بعد الإساءة ، فإن الله تعالى
يجازيه بالإحسان (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) . فالتائب يُدانُ [يجازى] بالخير
الذي أهلته له توبته ، والمصر على معصيته يُدانُ بما يستحقه ؛ و” كما تدين تدان “.
وللمزيد راجع أرقام الفتاوى : (22769)، (47971)
، (81528) ، (98675)
، (134465).
والله أعلم .