الجواب :
الحمد لله
أولاً :
من الآداب التي راعها الإسلام في المجالس : أن لا يتناجى اثنان دون الثالث ؛ وذلك
حفظاً لسلامة الصدور .
فقد روى البخاري (6290) ومسلم (2184) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال
النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلَانِ
دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ أَجْلَ أَنْ يُحْزِنَهُ ) .
وروى الترمذي (2825) عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : (
إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا ) . وصححه
الشيخ الألباني في ” صحيح سنن الترمذي ” .
ثانياً :
النهي الوارد في الأحاديث السابقة ظاهره التحريم ، فيحرم أن يتناجى اثنان دون
الثالث ، أو مجموعة من الناس دون واحد منهم .
قال النووي رحمه الله : ” وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث النَّهْي عَنْ تُنَاجِي
اِثْنَيْنِ بِحَضْرَةِ ثَالِث , وَكَذَا ثَلَاثَة وَأَكْثَر بِحَضْرَةِ وَاحِد ,
وَهُوَ نَهْي تَحْرِيم , فَيُحَرِّم عَلَى الْجَمَاعَة الْمُنَاجَاة دُون وَاحِد
مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَأْذَن ” انتهى من ” شرح مسلم للنووي ” .
ثالثاً :
يستثنى من النهي الوارد في مسألة التناجي مسائل :
المسألة الأولى : إذا تناجى الاثنان بإذن الثالث ، فأذن لهم جاز ؛ لما روى أحمد
(6302) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (
إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ ، إِلَّا
بِإِذْنِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ ) .
المسألة الثانية : إذا كان
العدد أكثر من ثلاثة ، فيجوز أن يتناجى اثنان دون البقية ؛ لما روى أبو داود (4851)
، وفيه : قَالَ أَبُو صَالِحٍ ، فَقُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : فَأَرْبَعَةٌ ؟ قَالَ :
( لَا يَضُرُّكَ ) .
قال النووي رحمه الله في ” شرح مسلم ” : ” أَمَّا إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً
فَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُونَ اِثْنَيْنِ , فَلَا بَأْسَ بِالْإِجْمَاعِ ” انتهى .
وقال الشيخ محمد بن عبد
الهادي السندي رحمه الله : ” قَوْله ( إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَة ) يَدُلّ عَلَى
أَنَّهُ يَجُوز ذَلِكَ إِذَا كَانَ أَكْثَر مِنْ ثَلَاثَة ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِن أَنْ
يَأْتَنِس الثَّالِث بِالرَّابِعِ ، وَأَيْضًا بِوُجُودِ الرَّابِع لَا يَخَاف
الثَّالِث عَلَى نَفْسه مِنْهُمَا الشَّرّ ” انتهى من ” حاشية السندي على سنن ابن
ماجة ” .
المسألة الثالثة : إذا كانت
هناك حاجة أو مصلحة راجحة على مفسدة التناجي ، فيجوز في هذه الحال أن يتناجى اثنان
دون الثالث .
قال النووي رحمه الله في ” رياض الصالحين ” : باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث
بغير إذنه إلا لحاجة .
وقال الشيخ محمد صالح المنجد
حفظه الله في – ذكر صورة من صور التناجي المباح – : ” ومن هذه الصور مثلاً :
أحياناً يأتيك ضيف أنت وهو في المجلس فيأتي إليك ولدك أو خادمك فتضطر أن تسر في أذن
الولد أو الخادم كلاماً عن تجهيز الطعام مثلاً ، أو عن تفريغ طريق مثلاً ، أو
أحياناً يقول لك ولدك : إن أمي تقول كذا وكذا ، وفي هذه الحالة فقد درجت مروءة
الناس على عدم الجهر بهذه الأشياء أمام الضيوف ، فهذه المسألة هي مصلحة راجحة تقاوم
المفسدة المشكوك بها ، لأن الضيف سوف يقدر أن ولدك هذا عندما تسر إليه بكلام لن
تقول كلاماً سيئاً عنه ، وإنما سوف ترتب أنت وإياه أمراً يتعلق بالضيافة ، أو يتعلق
بداخل أهلك بداخل البيت ، فلذلك لن يحزن ، هذا مثال على التناجي الجائز ” انتهى من
” شريط : كيف تكون مجالسنا إسلامية ” .
والله أعلم
