الجواب :
الحمد لله
أولاً:
أخرج هذا الحديث الإمام البخاري في صحيحه ( 6140 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْن ) يعني
: إصبعين ، وجاء عن سهل بن سعدٍ الساعدي رضي الله عنه مرفوعا بلفظ ( بُعِثْتُ أَنَا
وَالسَّاعة هكذا – ويشير بأصبعيه فيمدُّ بهما – ) رواه البخاري ( 6138 ) ومسلم (
2950 ) ، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه ( 867 ) عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر
جيش يقول ” صبَّحكم ومسَّاكم ” ويقول ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ )
ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى .
وخرج الإمام أحمد ( 38 / 36 ) بإسناد حسن من حديث بريدة ( بُعِثْتُ أَنَا
وَالسَّاعَة جَمِيعاً إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي ) .
ثانياً:
أما بخصوص من يقول إن بيننا وبين ورود الحديث أكثر من ألف وأربعمائة سنة فكيف يقول
الله تعالى ( اقتربت الساعة ) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ( بُعِثْتُ أَنَا
وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) ؟ فالجواب عليه من وجوه ، أبرزها :
1. أن المعنى : أنه ليس هناك نبي آخر بعد النبي صلى الله عليه وسلم .
قال أبو حاتم بن حبان رحمه الله :
” يُشبه أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة
كَهَاتَيْنِ ) أراد به : أني بُعثت أنا والساعة كالسبابة والوسطى من غير أن يكون
بيننا نبي آخر ؛ لأني آخر الأنبياء وعلى أمتي تقوم الساعة ” انتهى من ” صحيح ابن
حبان ” ( 15 / 13 ) .
وقال القرطبي رحمه الله :
” أول أشراط الساعة : النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه نبي آخر الزمان ، وقد بُعث
وليس بينه وبين القيامة نبي ” انتهى من ” التذكرة ” ( ص 111 ) .
2. أن المعنى : هو القرب الذي في علم الله تعالى وحسابه ، لا في علم البشر وحسابهم
.
قال الشيخ عمر الأشقر حفظه الله :
” قد يقال : كيف يكون قريباً ما مضى على الإخبار بقرب وقوعه ألف وأربعمائة عام ؟
والجواب : أنه قريب في علم الله وتقديره ، وإن كانت المقاييس البشرية تراه بعيداً (
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا . وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) المعارج/ 6 ، 7 ” انتهى من ”
القيامة الصغرى ” ( ص 115 ) .
3. أن المعنى : أن بين بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وقيام الساعة شيء يسيرٌ
بالنسبة لما مضى من الزمان .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
” وهذا يدل على قربها ، لكن مع ذلك كم بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ نحن
في القرن الخامس عشر الهجري بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة ،
ومع ذلك ما زالت الدنيا باقية مما يدل على أن ما مضى طويل جدّاً ، حتى إن الرسول
صلى الله عليه وسلم عند غروب الشمس قال ( إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدُّنْيَا –
يعني : بالنسبة لمن سبقكم – فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ
يَوْمِكُمْ هَذَا ) رواه الترمذي وحسَّنه ” وضعفه الألباني في ” ضعيف الترغيب
والترهيب ” برقم (1641) . انتهى من ” تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد ” ( ص 361
) .
وقال الشيخ عمر الأشقر حفظه الله :
” والأمر الذي ينبغي أن يُنتبه إليه : أن الباقي من الدنيا قليل بالنسبة لما مضى
منها ، فإنك إذا وضعتَ لمن لك عليه دين أجلاً طويلاً كأن توجله خمسين عاماً – مثلاً
– ، فإذا انقضى من الخمسين خمسة وأربعون فيكون موعد السداد قد اقترب بالنسبة لما
مضى من الموعد المضروب ، والأحاديث النبوية الشريفة تشير إلى هذه الحقيقة التي
بينَّاها هنا ، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال ( إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِى أَجَلِ مَنْ خَلاَ مِنَ
الأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ) وفي لفظ (
إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ
صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ) [ تنبيه: رواه البخاري باللفظين دون
مسلم ] .
إن الحديث يمثل الوجود الإنساني بيوم من أيام الدنيا ، ابتدأ وجود الأمة الإسلامية
فيه عند العصر فيكون الماضي من عمر الوجود الإنساني بنسبة ما مضى من ذلك اليوم من
الفجر إلى العصر ، ويكون الباقي من عمر الزمن حتى تقوم الساعة كما بين العصر
والمغرب ، ذلك أن النصوص صريحة الدلالة على أننا آخر الأمم وجوداً ، وأن نهاية وجود
هذه الأمة يتحقق بقيام الساعة .
وجاء في حديث آخر يرويه البخاري ومسلم عن سهل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) – ويشير بأصبعيه
فيمدهما – ، ورواه مسلم عن سهل بلفظ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير
بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى وهو يقول ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة هَكَذا ) .
والمعنى : أننا لو قدَّرنا عمُر الزمن بالأصبع الوسطى فإن ما بقي منه عند مبعث
الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بمقدار ما تزيد الوسطى عن السبابة ، وما مضى منه
بمقدار السبابة من الأصبع الوسطى ، قد يكون الباقي في حِسِّ البشر طويلاً لأن
إدراكهم محدود ونظرتهم قاصرة ، ولكنه في ميزان الله قريب وقصير ( أَتَى أَمْرُ
اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ) النحل/ 1 ، ( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ
كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) النحل/ 77 .
وروى الإمام أحمد عن عتبة بن غزوان قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال
: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ( أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ
بِصُرْمٍ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ
الإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ
لاَ زَوَالَ لَهَا فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ … ) انفرد به مسلم
” انتهى من ” القيامة الصغرى ” ( ص 116 ، 117 ) .
ثالثاً:
لا يشك مسلم في ثبوت قرب الساعة وكيف يفعل ذلك وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه
الكريم بأوضح عبارة وأجلى بيان ؟! قال تعالى ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ) الأنبياء/ 1 ، وقال جل وعلا ( اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) القمر/ 1 ، وقال ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ
السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ) الأحزاب/ 63 ، وقال جل وعلا ( أَزِفَتِ الْآزِفَةُ
لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ) الذاريات/ 57 .
تفسير القرآن ” من الحجرات إلى الحديد ” للشيخ ابن عثيمين رحمه الله ( ص 361 ) .
فالواجب عليك – أخي السائل –
وعلى المسلمين جميعاً الإعداد للقاء الله تعالى ، سواء كان ذلك لقدوم الساعة العظمى
وهي يوم القيامة ، أو للساعة الصغرى وهي موت المسلم نفسه ، فإنه من مات قامت قيامته
، ولا ينبغي لنا الاشتغال بما لا فائدة منه ولا طائل وراءه ، وليكن اهتمامنا فيما
ينفعنا عند لقاء ربنا تعالى ، ولا ريب أنه لا بدَّ من قيام إحدى الساعتين على كل
واحد منا وقد تكون الساعة الصغرى هي الأقرب لعدم حصول علامات الساعة الصغرى جميعها
، وعدم حصول علامة من علاماتها الكبرى ، والموت – ولا شك – يأتي بغتة ، ولا يعرف
صغيراً ولا كبيرا ولا مريضاً ولا صحيحاً ، فماذا أعددنا لتلك الساعة التي نفارق
فيها دنيانا ونلقى فيها ربنا عز وجل ؟! .
رابعاً:
وأما بخصوص ” الاستمطار ” فقد فصَّلنا القول فيه في جواب السؤال رقم (
119296 ) فانظره.
وأما بخصوص العلم بجنس
الجنين عن طريق الأجهزة فقد فصَّلنا فيه القول في جواب السؤال رقم (
12368 ) فانظره .
خامساً:
وأما ” الاستنساخ ” فقد ذكرنا ما يتعلق به في جواب السؤال رقم (
21582 ) وفيه :
جواز الاستنساخ في الحيوان والنبات بما يحقق مصالح للبشرية ، وفيه : أنه لم يحصل
الاستنساخ – أصلاً – في الإنسان ، وعليه : فالسؤال غير وارد أصلاً ، ويبقى ما ذكره
الله تعالى في خلق الإنسان لا مدافع له ولا معارض .
وأما من حيث المشروعية ، فلم يجوِّز أحد من أهل العلم المعاصرين ” الاستنساخ البشري
الخلوي ” – وهو : تلقيح بويضة المرأة عن طريق خلية من جسمها – أو من امرأة أخرى –
وليس من خلية جسم منوي – إلا الرافضة ! ولا قيمة لمخالفتهم ! .
والنصيحة للأخ السائل أن
يُبعد نفسه عن تتبع الشبهات والإشكالات وليقو نفسه بالعلم واليقين ، وليعلم أن
البحث عن الشبهات واستشكال النصوص قبل قوة الإيمان ومتانة العلم سبيل لفساد الدين
وجفاء الخلق ، فحاذر من سلوك هذا السبيل ، واعلم أن استشكالك لنص لا يعني أنه مشكل
، وعدم قبولك لما قيل في شرحه لا يعني ضعف حجة قائله ، وانظر وصية جامعة نافعة في
هذا الباب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في جواب السؤال رقم (
93421 ) .
والله أعلم
