الجواب :
الحمد لله
لا شك أن قبول ” الشكل” والمنظر ، من العوامل المهمة في إلقاء القبول والوفاق بين
الزوجين ، ولذلك شرع الله لعباده النظر ، لأجل الخطبة ؛ فعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ
شُعْبَةَ قَالَ : ” خَطَبْتُ امْرَأَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا ؟ ) ، قُلْتُ : لَا ، قَالَ : ( فَانْظُرْ
إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ) .
رواه الترمذي (1087) ، والنسائي (3235) وغيرهما ، صححه الألباني في “صحيح الجامع”
(859) .
فالنظر ، والقبول الأولي بين الخطيبين : هو من أسباب إلقاء الألفة والمودة بينهما .

ومثل هذا يمكن أن يحصل لك ، أو للخاطب بأسباب كثيرة ؛ فبإمكانك مثلا أن تنظري إليه
من خلف بعض الأبواب أثناء دخوله عندكم ، أو تختفي في مكان بحيث ترينه في دخوله ،
وخروجه ، ومثل هذا يكفي كثيرا في القبول المبدئي للشكل .
وقد كان بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك :
فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ
أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ ) .
قَالَ : فَخَطَبْتُ جَارِيَةً ، فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ
مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا ، وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا ” رواه
أبو داود (2082) ، وحسنه الألباني في “إرواء الغليل” (1791) .
وهذا كله إذا كان المراد الحصول على الانطباع المبدئي العام ، الذي يكفي في مثل ذلك
عادة ، كما تدل عليه مثل هذه النصوص ، وتعذر الوضع المنتظم للرؤية ، بأن يدخل
الخاطب البيت ، وتدخل عليه العروس ، لينظر كل منهما إلى الآخر ، ثم يكون قرارهما
بعد ذلك .
فإذا أمكنك أن تقنعي الوالدة بذلك ، أو يقنعها بعض من عندكم ممن تثق هي فيه : فلا
شك أن هذا خير وأفضل .
وإن لم يمكن ذلك ، فتحيلي إلى رؤيته بما ذكرنا ، أو نحوه من وسائل إتاحة النظر إلى
ذلك الخاطب ، ولو أن يكون ذلك بطلب منه ، فإن له حقا في مثل هذه الرؤية ، كما لك حق
فيها .
لكننا على أية حال : لا نوافقك على الاستسلام للشعور بالنفور ، وأنت لم يحصل لك
الرؤية التي تنتج ذلك النفور أو القبول ، فعلي أي شيء بنيت “شعور بالنفور” ؟
إننا نفهم : ألا يكون هناك انجذاب ، ألا يكون هناك قرار ، ألا يكون هناك شعور … ؛
أما أن يكون هناك نفور ، وأنت لم تري شكله ، فإننا نخشى عليك أن تستسلمي إلى شعور
مرضي ، لا أساس له من الصحة ، ولا مبرر له ، ومثل هذا سوف يجني عليك كثيرا في حياتك
.
وبناء على ذلك : فنحن لا نوافقك على الدعاء بأن يصرفه الله عنك ، هكذا صرفا مطلقا ،
بل الأولى في حقك في مثل ذلك : هو دعاء الله أن يجمع بينك وبينه على خير، وأن يلقي
المودة والسكن بينكما ، إن كان في زواجك به خير .
وإن لم يكن في زواجك به خير : أن يصرفه الله عنك بحوله وطوله .
وعلى كل حال : فإذا تعذر قبولك له ، أو قبولك لهذا الوضع ، فلا ننصحك بإتمام زواج ،
أنت نافرة منه أساسا ، شريطة أن تكوني معتدلة حقا فيما تطلبين .
وإذا لم يكن أمامك مفر من المصارحة لأمك ، أو أهلك ، فافعلي ، فهو خير لك من أن
تقدمي على المخاطرة بمستقبلك مع زوجك ، وربما ظلمت نفسك بذلك ، أو ظلمتيه معك .
يسر الله لك أمرك ، ووفقك لما فيه خير الدنيا والآخرة .
والله أعلم .