السؤال:
في القانون الأمريكي يقوم الشخص الذي عليه ديون ولا يستطيع أن يسددها بالحصول على مذكرة من المحكمة تسمى مذكرة الإفلاس (حتى ولو كانت هذه الديون المستحقة لأصحابها من الربا) ،
وفي هذه المذكرة يقوم المدين بكتابة كل الديون المستحقة لأصحابها الدائنين بالإضافة إلى كتابة اسم كل دائن على حدة ، ويقوم المدين بإعطاء الدائن وثائق تشتمل على الدخل الذي يتقاضاه والذي يشير إلى عدم مقدرته على سداد هذه الديون . ويقوم المدين كذلك بكتابة كل الأصول والممتلكات التي يمتلكها ، وتقوم المحكمة بالتحفظ والحجز على هذه الممتلكات ثم بيعها في مزاد علني لمن يشتريها بأعلى سعر ، وللمدين أن يستثني بعض الأصول والممتلكات من هذه العملية أي لا تقدم للبنك للتحفظ عليها ، وبعد ذلك يتم توزيع المال الذي جاء من المزاد على عدد الدائنين بناء على المبلغ المستحق لكل دائن بحسب الأولوية . وفي أغلب الأوقات فإن المال الذي تم تحصيله من المزاد لا يكون كافياً لسداد كل الدين المستحق للدائنين ، إلا أن المحكمة تخلي ساحة المدين من كافة المسؤوليات القانونية حتى يتمكن من سداد أي أرصدة متبقية عليه .
وعلى ضوء ما سبق ، هل يكون واجباً على المدين المسلم سداد الدين أو الرصيد الذي لم تتمكن المحكمة من سداده (فيما عدا الربا) ، حتى ولو كانت الأصول والممتلكات التي تم أخذها لسداد الديون عبارة عن متجر أو سوق وقيمته أعلى مما تم الحصول عليه من المزاد ؟ وهل لو تم تسليم هذا المتجر للمحكمة فهل سيتبقى مال كاف لسداد كافة الديون المستحقة لأصحابها ؟ وعلى أية حال فإن كل مدين يعلم يقيناً أن هذا سيكون هو الدخل الوحيد لهم عندما يتم عمل الإجراء السالف الذكر عن طريق المحكمة وهو إشهار الإفلاس .

الجواب :

الحمد لله

يحسن التعرف على بعض أحكام الحجر في الشريعة الإسلامية ثم نتعرض لما ذكر في السؤال
.

فالإِْفْلاَسُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ : أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى
الشَّخْصِ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ .

فإذا كان المدين كذلك ، وكانت الديون حالَّة (غير مؤجلة) وطلب الغرماء (الدائنون)
من الحاكم أن يحجر عليه ، وجب على الحاكم أن يحجر على أمواله ، ويمنعه من التصرف
فيها ، ويترتب على هذا الحجر أحكام :

1-
منع المدين من التصرف في ماله .

2-
تعلق حق الغرماء بهذا المال .

3-
من وجد من الغرماء عين ماله عند المفلس فهو أحق به من غيره من الغرماء ، كما لو كان
أعطاه قرضاً ، أو باعه سلعة بالتقسيط ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (مَنْ

أَدْرَكَ

مَالَهُ

بِعَيْنِهِ

عِنْدَ

رَجُلٍ

أَوْ

إِنْسَانٍ

قَدْ

أَفْلَسَ

فَهُوَ

أَحَقُّ

بِهِ

مِنْ

غَيْرِهِ) رواه البخاري (2402) ومسلم (1559) .

4-
أن للحاكم أن يبيع ماله ويعطي للغرماء حقوقهم .

ودليل ذلك : أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان عليه ديون ، فكلم غرماؤه الرسول صلى
الله عليه وسلم في ذلك ، فحجر عليه وباع ماله . رواه البيهقي والحاكم ، وهو حديث
مختلف فيه ، صححه ابن كثير في “إرشاد الفقيه”  (2/48) ، وضعفه الألباني في “إرواء
الغليل” (1435) .

ويُترك للمفلس من ماله : ما يحتاج إليه ولا يستغني عنه مثل : الثياب ، والكتب ،
والبيت الذي يسكنه ، وآلات الصنعة ، والقوت الضروري ، ورأس مال التجارة …. إلخ

ويؤخذ الزائد عن حاجته من هذه الأشياء ، ويترك له ما يكفيه بلا زيادة .

وذهب بعض العلماء (الإمامان مالك والشافعي) إلى أنه إذا كان يقيم في بيت يملكه فإنه
يؤخذ منه ويُباع ، ويُستأجر له بيت يسكنه .

وإذا باع الحاكم ماله فإنه لا يقسمه على الغرماء بالتساوي ، وإنما على نسبة ديونهم
، فلو كان أحدهما له ألف والآخر له خمسمائة ، فيقسم المال بينهما : لصاحب الألف :
الثلثان ، ولصاحب الخمسمائة : الثلث .

قال
الحافظ في الفتح :


َذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ ظَهْر فَلَسُهُ فَعَلَى الْحَاكِمِ الْحَجْر
عَلَيْهِ فِي مَالِهِ حَتَّى يَبِيعَهُ عَلَيْهِ وَيَقْسِمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ
عَلَى نِسْبَةِ دُيُونِهِمْ ” انتهى .

وهذا ؛ إذا لم يكف المال جميع الديون ، فإن كفى أخذ كل دائن حقه بلا زيادة ، ثم
رُدَّ الباقي ـ إن بقي شيء ـ إلى المفلس ، لأنه حقه .

فإذا كان ماله لا يكفي الديون كلها ، فإنه يوزع الموجود على الدائنين ، وتبقى سائر
حقوقهم دَيْناً عليه ، متى قدر أن يقضيها وجب عليه ذلك .

انظر : “المغني” (4/265-266) – “المجموع” (13/278-284) (طبعة دار الفكر) –
“المبسوط” (24/156-166)– “فتح الباري” (5/66) (دار المعرفة – بيروت ، 1379) –
“الموسوعة الفقهية” (5/246 ، 301 – 322) – “الشرح الممتع” (9/78-81) .

 

وعلى هذا ، فقول السائل :

هل يكون واجباً على المدين المسلم سداد الدين أو الرصيد الذي لم تتمكن المحكمة من
سداده ؟

فالجواب : نعم ، ويبقى ديناً عليه في ذمته حتى يتمكن من سداده .

قال
ابن قدامه رحمه الله في “المغني” (6/581) :

“وإذا فُرِّق مال المفلس وبقيت عليه بقية وله صنعة فهل يجبره الحاكم على إيجار نفسه
ليقضي دينه؟ على روايتين ….” انتهى . ثم ذكر القولين بأدلتهما ، ولم يصرح بالراجح
منهما ، غير أنه يظهر من كلامه أنه يميل إلى القول بأن الحاكم يجبره على العمل
ليقضي دينه .

فعلى كلا القولين : يستفاد من هذا : أن باقي حق الغرماء لا يزال متعلقاُ بذمته .

ثم
قال ابن قدامة (6/582) :

“وإن فُكَّ الحجر عليه [يعني : بعد بيع ماله] لم يكن لأحد مطالبته ولا ملازمته حتى
يملك مالاً ….” انتهى .

فيستفاد منه أيضاً : أن ما بقي من حق الغرماء لم يسقط ، بل لا يزال دَيناً عليه .

 

وقول السائل :

حتى ولو كانت الأصول والممتلكات التي تم أخذها لسداد الديون عبارة عن متجر أو سوق
وقيمته أعلى مما تم الحصول عليه من المزاد ؟

فالجواب :

أن الواجب على الحاكم ألا يبيع ممتلكات المفلس إلا بثمن المثل ، فلا يبيعها بأقل من
ذلك .

انظر : “الموسوعة الفقهية” (5/318) .

ولما كانت هذه القضية منظورة في بلاد غير إسلامية ، فمن الطبيعي أن يكون لهم
قوانينهم وأنظمتهم التي يتحاكمون إليها ويحكمون بها ، وتكون مخالفة لما شرعه الله
عز وجل .

ولهذا ؛ لا ينبغي للمسلم أن يتساهل في الإقامة في تلك البلاد ، إلا أن يكون مضطراً
لذلك ، لأنه سيخضع لتلك القوانين ، شاء أم أبى .

 

تنبيه :

المديونية الربوية لا يجوز القيام بسدادها ، فليس عليه إلا دفع رأس المال فقط ، إلا
إذا أُكره على دفعها وهُدِّد بالسجن ونحوه فلا حرج عليه ، ويكون مكرهاً ، مع وجوب
التوبة إلى الله من الاقتراض بالربا .

والله أعلم