الجواب :
الحمد لله
لا نوافق من يتحدث عن تفرق الأمة وتشرذمها ، فيضرب على ذلك مثالاً بالمذاهب الفقهية
،
وذلك لأسباب عديدة :
أولا :
كل انتساب يمكن أن يتحول إلى عامل تفرق وخلاف ، ويمكن أن يبقى في إطاره التعريفي أو
الوصفي .
بل حتى الانتساب الشرعي ، الثابت في الكتاب والسنة النبوية ، يمكن أن يتحول إلى ”
دعوى جاهلية “، إذا ما أضفيت إليه نزعات التفرق والشقاق . كما وقع للصحابة الكرام
رضوان الله عليهم ، حين ( كَسَعَ [أي ضرب دبره] رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا
مِنَ الأَنْصَارِ . فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ
المُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ! فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ … دَعُوهَا
فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) رواه البخاري (4905) ، ومسلم (2584) .
فالإنتان – على الأوصاف الشرعية – طارئ ، بسبب الاستعداد للفتنة ، والانتصار للنفس
والفئة على الحق أو الباطل ، والتداعي للتعصب المطلق ، وغض الطرف عن ميزان الحق
والعدل .
ثانيا :
ومن هنا : فإن الانتساب للمذاهب الفقهية ليس تفرقا في نفسه ، بل بفهمه الخاطئ الذي
يمكن أن يقع فيه الأتباع ، بالتعصب للإمام ، والشقاق في المساجد ، والتحامل على
المذاهب الأخرى ، وازدراء ما عندهم أو انتقاصه ، أو التعالي والاستطالة بسبب هذا
الانتساب ، حينها تتحول النسبة المذهبية الفقهية إلى نسبة مذمومة ، وتفرق مشؤوم ،
طالما وقع فيه بعض الأتباع عبر تاريخ المذاهب ، غير أن التيار الأعم الأغلب – بحمد
الله – حافظ على وحدة الكلمة واجتماع القلوب والاستفادة من جميع فقهاء الإسلام .
ثالثا :
والسبب في سلامة الانتساب المذهبي الفقهي : هو أن المذاهب الأربعة ليست فرقا
عقائدية ، انفصلت عن جسد الأمة بمقولة عقدية خاصة ، أو رؤية إيمانية شاذة ، وإنما
هي مناهج مدرسية في فهم النصوص ، وتحديد العلاقات بينها ، واعتبار مصادر التشريع في
الفقه ، ولا تخرج في شيء منها عن إطار ” الاجتهاد ” الذي هو رحمة الأمة وثراء
شريعتها ، والذي أساسه الأول إقرار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام في
اختلافهم في فهم نص كلامه في حياته ، كاختلافهم في فهم قوله صلى الله عليه وسلم : (
لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ) رواه البخاري
(946) ، ومسلم (1770) ، واختلافهم في فهم قوله عليه الصلاة والسلام : ( ائْتُونِي
بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ) رواه البخاري (114) ،
ومسلم (1637) .
فلما لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أحدا من المختلفين في فهم هذه النصوص ، بل
ولم يحسم اختلافهم بتعيين المصيب منهما دل ذلك على مشروعية هذه الممارسات
الاجتهادية ، ما دامت ضمن مناهج الاستدلال المشروعة .
وإنما نشأت النسبة الاسمية :
حنفي ، مالكي ، شافعي ، حنبلي ، لتسهيل التعبير عن المدرسة التي تلقى عنها الفقيه
فقهه ، واختصار التطويل في وصف الأصول التي بني عليها هذا المنتسب آراءه الفقهية ،
بأقصر عبارة ، لا تتجاوز الكلمة ، يعبر فيها عن ” المدرسة ” التي يأخذ عنها فقهه ،
إلى حين بلوغ مرتبة الاجتهاد المطلق إن تيسر له ذلك .
وهذه المدارس الفقهية ترجع
في أصولها إلى مدارس الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، التي عرفت واشتهرت في القرن
الأول ، كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في ” إعلام الموقعين عن رب العالمين ”
(1/ 17): ” فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر . وأما
أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس . وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد
الله بن مسعود “.
ويقول ولي الله الدهلوي :
” وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عنهم التابعون ،
كل واحد ما تيسر له ، فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب
الصحابة وعقلها ، وجمع المختلف على ما تيسر له ، ورجح بعض الأقوال على بعض ، فعند
ذلك صار لكل عالم من علماء التابعين مذهب على حياله ، وانتصب في كل بلد إمام مثل
سعيد بن المسيب ، وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة ، وبعدهما الزهري والقاضي
يحيى بن سعيد ، وربيعة بن عبد الرحمن فيها .
وعطاء بن أبي رباح بمكة .
وإبراهيم النخعي ، والشعبي ، بالكوفة .
والحسن البصري بالبصرة .
وطاوس بن كيسان باليمن .
ومكحول بالشام .
فأظمأ الله أكبادا إلى علومهم ، فرغبوا فيها ، وأخذوا عنهم الحديث وفتاوى الصحابة
وأقاويلهم ، ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم ، واستفتى منهم
المستفتون ، ودارت المسائل بينهم ورفعت إليهم الأقضية .
وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأمثالهما جمعوا أبواب الفقه أجمعها ، وكان
لهم في كل باب أصول تلقوها من السلف .
وكان سعيد وأصحابه يذهبون إلى أن أهل الحرمين أثبت الناس في الفقه ، وأصل مذهبهم
فتاوى عمر ، وعثمان وقضاياهما ، وفتاوى عبد الله بن عمر ، وعائشة ، وابن عباس ،
وقضايا قضاة المدينة ، فجمعوا من ذلك ما يسره الله لهم ، ثم نظروا فيها نظر اعتبار
وتفتيش .
وكان إبراهيم وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقه .
وأبو حنيفة أصل مذهبه فتاوى عبد الله بن مسعود ، وقضايا علي رضي الله عنه وفتاواه ،
وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة ، فجمع من ذلك ما يسره الله ، ثم صنع في آثارهم
كما صنع أهل المدينة في آثار أهل المدينة ، وخَرَّج كما خَرَّجوا ، فتلخص له مسائل
الفقه في كل باب ، باب ” انتهى باختصار من “الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ” (ص:
30-33) .
والمقصود من هذه النقول هو
الكشف عن حقيقة المذاهب الفقهية ، وأنها امتداد لمذاهب الصحابة الكرام والتابعين ،
وليست إحداثا في الإسلام ، ولا تفريقا للأمة ، إذا فهمت في حدودها المدرسية ، بمعنى
أن تعد وسيلة للتعلم والتفقه والتعبد ، إلى حين بلوغ الاجتهاد .
أما إذا تطورت هذه النسبة ، حتى صارت فرقا وطوائف ، كل منها يتعصب لما عنده فرحا به
، ويوالي ويعادي الناس بناء عليه ، ويعتزل الأمة ، ويتنكر لفضل مجموعها ، اغترارا
بهذه النسبة حينها يصبح هذا الانتساب محرما ، وسببا للذم والشؤم على الفرد والأمة
جميعها .
يقول ابن قدامة رحمه الله :
” أما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين ، كالطوائف الأربع ، فليس بمذموم ، فإن
الاختلاف في الفروع رحمة ، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم ، مثابون في
اجتهادهم ، واختلافهم رحمة واسعة ، واتفاقهم حجة قاطعة ” انتهى من ” لمعة الاعتقاد
” (ص/42) .
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
” الجماعات التي تؤدي إلى تفرق الكلمة ، واختلاف القلوب ، جماعات باطلة .
وأما الجماعات التي لا تؤدي إلى ذلك ، كاختلاف المسلمين في المذاهب ، فهذا مذهبه
حنبلي ، وهذا شافعي ، وهذا مالكي ، وهذا حنفي ، فإنها لا تضر ، ما دامت القلوب لم
تختلف ” .
انتهى من ” لقاء الباب المفتوح ” (87/ 19، بترقيم الشاملة آليا) .
ويقول الشيخ صالح الفوزان :
” التمذهب بمذهب واحد من المذاهب الأربعة ، مذاهب أهل السنة الأربعة المعروفة ،
التي بقيت وحفظت وحررت بين المسلمين ، والانتساب إلى مذهب منها ، لا مانع منه ،
فيقال : فلان شافعي ، وفلان حنبلي ، وفلان حنفي ، وفلان مالكي .
ولا زال هذا اللقب موجودًا من قديم بين العلماء ، حتى كبار العلماء ، يقال : فلان
حنبلي ، يقال مثلًا : ابن تيمية الحنبلي ، ابن القيم الحنبلي ، وما أشبه ذلك ، ولا
حرج في ذلك ، فمجرد الانتساب إلى المذهب لا مانع منه ، لكن بشرط أن لا يتقيد بهذا
المذهب فيأخذ كل ما فيه سواء كان حقًّا أو خطأً ” انتهى من ” مجموع فتاوى فضيلة
الشيخ صالح بن فوزان ” (2/ 701) .
وقد سبق في موقعنا العديد من
الفتاوى المهمة ، نبين فيها أن التسمي بـ ” السلفية ” لا يخرج عن التفصيل السابق ،
وأنه إن أدى إلى إحداث الفرقة والنزاع ، وإيهام الانفراد والشذوذ عن الأمة وعقيدتها
، فالأولى حينئذ الاقتصار على اسم ” الإسلام ” الذي سمانا الله عز وجل به . ينظر :
(191402) ، (125476)
، (101366) .
والله أعلم .
