الجواب :
الحمد لله
اتفق العلماء – فيما اطلعنا عليه – من المذاهب الأربعة وغيرهم على أن الزواج بمَحرم
أو بمن لا تحل للزوج ليس ردة في نفس الأمر ، وليس كفرا مبيحا دمه وماله ، وإنما هي
إحدى كبائر الذنوب وفواحش المعاصي . ويكون كفرا وردة إذا أنكر التحريم واعتقد حل
هذا النكاح .

وقد اختلف العلماء في عقوبة
من فعل هذا ، ولم يذكر أحد منهم أنه يقتل ردة .
فعند الحنفية : لا حد عليه ، وإنما عليه التعزير ، وحملوا الحديث الذي ذكره السائل
على المستحل .
قال ابن الهمام الحنفي رحمه الله :
” هذا يدل على أنه استحل ذلك فارتد به ” انتهى من ” فتح القدير ” (5/261) .

وذهب الجمهور من المالكية
والشافعية والحنابلة ، أن من تزوج محرَّمة عليه : يُحد حد الزنا ، إن كان محصنا
فالرجم ، وإن كان غير محصن فالجلد مائة جلدة ، وحملوا حديث البراء بن عازب على
المستحل أيضا .
جاء في ” التاج والإكليل ” من كتب المالكية (8/390):
” إن تزوج زوجة أبيه أو زوجة ولده حُدَّ [يعني : حد الزنا] إن كان عالما بتحريم ذلك
” انتهى.
وقال الماوردي الشافعي رحمه الله :
” فجعله النبي صلى الله عليه وسلم باستحلال ما نص الله تعالى على تحريمه مرتدا ،
وجعل ماله بتخميسه إياه فيئا ” انتهى من ” الحاوي الكبير ” (8/ 146) .
ويقول البهوتي الحنبلي رحمه الله :
” وخبر البراء ( يقتل ويؤخذ ماله ) قال أبو بكر : محمول عند أحمد على المستحل ، وأن
غير المستحل كزان ” انتهى من ” كشاف القناع ” (6/54-55) ، وينظر : “الفروع” لابن
مفلح (10/56) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” حديث أبي بردة بن نيار ( لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى من تزوج امرأة
أبيه ، فأمره أن يضرب عنقه ويخمس ماله ) فإن تخميس المال دل على أنه كان كافرا لا
فاسقا ، وكفره بأنه لم يحرم ما حرم الله ورسوله ” انتهى من ” مجموع الفتاوى ” (20/
90).
ومراد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بـ” أنه لم يحرم ما حرم الله ورسوله ..” :
استحلال ذلك ، كما يدل عليه ما قبله ، وما بعده من الكلام .
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ – رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَطِئَهَا ثُمَّ مَلَّكَهَا لِوَلَدِهِ . فَهَلْ
يَجُوزُ لِوَلَدِهِ وَطْؤُهَا؟
فَأَجَابَ:
” الْحَمْدُ اللَّه ، لَا يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ وَطْءِ أَبِيهِ
وَالْحَالُ هَذِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ
يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَفِي السُّنَنِ {عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ
عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْت خَالِي أَبَا بُرْدَةَ وَمَعَهُ رَايَتُهُ فَقُلْت: إلَى
أَيْنَ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ
وَأُخَمِّسَ مَالَهُ} وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ
وَطْئِهَا بِالنِّكَاحِ وَبَيْنَ وَطْئِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ” انتهى من “مجموع
الفتاوى” (32/77) .
وقال الشوكاني رحمه الله :
” لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذي أمر صلى الله عليه وسلم بقتله ، عالم
بالتحريم ، وفعله مستحلا ، وذلك من موجبات الكفر ، والمرتد يقتل ” انتهى من ” نيل
الأوطار ” (7/137) .

وذهب ابن حزم ، وهو رواية عن
أحمد : إلى أن من وقع على ذات محرم فعقابه أشد من الزاني ، فيجب قتله بكل حال ،
سواء كان محصنا أو غير محصن .
غير أنهم قالوا يقتل حدا ، لا ردة .
واختار هذا القول الخطابي وشيخ الإسلام ابن تيمية
قال ابن حزم رحمه الله :
” فمن وطئ امرأة أبيه بعقد سماه نكاحا ، أو بغير عقد ، فقتلُهُ واجب ولا بد ،
وتخميس ماله فرض ، ويكون الباقي لورثته – إن كان لم يرتد -، أو للمسلمين إن كان
ارتد ” .
انتهى من ” المحلى ” (12/204) .
وقال ابن القيم رحمه الله :
” فَوَاَللَّهِ مَا رَضِيَ لَهُ بِحَدِّ الزَّانِي حَتَّى حَكَمَ عَلَيْهِ بِضَرْبِ
الْعُنُقِ وَأَخْذِ الْمَالِ ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمَحْضُ ؛ فَإِنَّ
جَرِيمَتَهُ أَعْظَمُ مِنْ جَرِيمَةِ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أَبِيهِ مِنْ غَيْرِ
عَقْدٍ ، فَإِنَّ هَذَا ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَاحِدًا، وَالْعَاقِدُ عَلَيْهَا
ضَمَّ إلَى جَرِيمَةِ الْوَطْءِ جَرِيمَةَ الْعَقْدِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ ،
فَانْتَهَكَ حُرْمَةَ شَرْعِهِ بِالْعَقْدِ، وَحُرْمَةَ أُمِّهِ بِالْوَطْءِ” انتهى
من”إعلام الموقعين” (2/249) ، وينظر : “زاد المعاد” (5/13-14) .
وينظر أيضا : “المغني” (9/56) ، ” مجموع فتاوى ” شيخ الإسلام ابن تيمية (34/177) .
” معالم السنن ” (3/329) .

والخلاصة : أن هذا الفعل ،
وإن كان محرما تحريما عظيمة ، وجريمة مغلظة ، إلا أنه ليس كفرا في نفسه ، كما يدل
عليه كلام أهل العلم في الحديث المذكور ، إلا إذا كان مستحلا لذلك ، غير خاضع لحكم
الله ورسوله فيه .

والله أعلم .