لي جدة توفيت ولم أصل عليها ، وأنا في نفس المدينة ، حيث دفنوها قبل حضوري لهم ، وهي الآن متوفية منذ 3 سنوات . فهل علي شيء ؟.
الحمد لله
يبدو من سؤالك أنك تشعر بالتقصير تجاه جدتك ، فإذا كنت في
المدينة نفسها وتتمكن من إدراك صلاة الجنازة والدفن فلماذا لم تفعل ؟ وأي عذر منعك
عن شهود خير ما يمكن أن تبر به جدتك في مماتها ، بالصلاة عليها والدعاء والاستغفار
لها !
والأجداد والجدات يجب برهم والإحسان إليهم كالوالدين .
جاء في “الموسوعة الفقهية” (16/133) :
” الجد والجدة كالأبوين في البر ” انتهى بتصرف
.
وأمامك فرصة لتعويض ما فاتك إن شاء الله ، إذ يمكنك أن تذهب
فتصلي على قبرها صلاة الجنازة ، فقد ذهب الإمام الشافعي وغيره إلى جواز الصلاة على
الميت في قبره ، ويدل على ذلك :
ما رواه البخاري (458) ومسلم (956) أن الرسول صلى الله عليه وسلم
صلى على امرأة في قبرها ، كانت تنظف المسجد ، وكان الصحابة قد دفنوها من غير أن
يخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بموتها .
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلا ، فَقَالَ :
مَتَى دُفِنَ هَذَا ؟ قَالُوا : الْبَارِحَةَ . قَالَ : أَفَلا آذَنْتُمُونِي !؟
قَالُوا : دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ . فَقَامَ
فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ )
رواه البخاري (1321) .
وعن يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه : ( أَنَّهُمْ خَرَجُوا
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى
قَبْرًا جَدِيدًا ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : هَذِهِ فُلانَةُ ، مَوْلاةُ
بَنِي فُلَانٍ ، فَعَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
مَاتَتْ ظُهْرًا وَأَنْتَ نَائِمٌ قَائِلٌ (أي : في القيلولة) فَلَمْ نُحِبَّ أَنْ
نُوقِظَكَ بِهَا ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ ، وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا ، ثُمَّ قَالَ : لا
يَمُوتُ فِيكُمْ مَيِّتٌ مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِلا آذَنْتُمُونِي بِهِ ؛
فَإِنَّ صَلاتِي لَهُ رَحْمَةٌ ) رواه النسائي (2022) وحسنه ابن عبد البر في
“التمهيد” (6/271) وصححه الألباني في صحيح النسائي .
وقد روى ابن أبي شيبة في “المصنف” (3/239) مجموعة من الآثار عن
الصحابة والتابعين ممن صلوا على القبور بعد الدفن : منهم عائشة رضي الله عنها حين
صلت على قبر أخيها عبد الرحمن ، وابن عمر صلى على قبر أخيه عاصم ، وسليمان بن ربيعة
وابن سيرين وغيرهم . وكذلك ذكره ابن حزم في “المحلى” (3/366) عن أنس وعلي وابن
مسعود رضي الله عنهم جميعا .
ومنع بعض الفقهاء من الصلاة على القبر مطلقا ، وبعضهم قيده بشهر
أو ثلاثة أيام ، ولكن ليس هناك دليل على هذا التقييد .
قال ابن حزم رحمه الله “المحلى” (3/366) :
” أما أمر تحديد الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام فخطأ لا يشكل ، لأنه
تحديد بلا دليل ” انتهى .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في “الشرح الممتع” (5/436) :
” والصحيح أنه نصلي على القبر ولو بعد شهر ، إلا أن بعض العلماء
قيده بقيد حسن ، قال : بشرط أن يكون هذا المدفون مات في زمن يكون فيه هذا المصلي
أهلا للصلاة .
مثال ذلك : رجل مات قبل عشرين سنة ، فخرج إنسان وصلى عليه وله
ثلاثون سنة ، فيصح ؛ لأنه عندما مات كان للمصلي عشر سنوات ، فهو من أهل الصلاة على
الميت .
مثال آخر : رجل مات قبل ثلاثين سنة ، فخرج إنسان وصلى عليه وله
عشرون سنة ليصلي عليه ، فلا يصح ؛ لأن المصلي كان معدوما عندما مات الرجل ، فليس من
أهل الصلاة عليه .
ومن ثَمَّ لا يشرع لنا نحن أن نصلي على قبر النبي صلى الله عليه
وسلم ، وما علمنا أن أحدا من الناس قال : إنه يشرع أن يصلي الإنسان على قبر النبي
صلى الله عليه وسلم أو على قبور الصحابة ، لكن يقف ويدعو ” انتهى
.
وللتوسع في المسألة انظر : “الأم” (1/452) ، “المجموع” (5/208-210) ، “المغني”
(2/194-195) ، “بدائع الصنائع” (1/315) ، “الموسوعة الفقهية” (16/35) .
كما أن البر لا يتوقف على حياة الوالدين وكذا الجَدَّين ، بل
يستمر بعد وفاتهما ، وأعظم ما يمكن أن يبر به المرء والديه الدعاء لهما والاستغفار
لهما .
عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ
: ( بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ
جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! هَلْ بَقِيَ
مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا ؟ قَالَ :
نَعَمْ ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا ، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا ، وَإِنْفَاذُ
عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلا
بِهِمَا ، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا ) رواه أبو داود (5142) وحسنه ابن
العربي في “عارضة الأحوذي” (4/307) وصححه الشيخ ابن باز في “مجموع الفتاوى” (9/295)
.
قال صاحب “عون المعبود” (14/36) :
” ( الصلاة عليهما ) أي : الدعاء ، ومنه صلاة الجنازة ، قاله
القارىء ، وفي فتح الودود : والمراد بها الترحم ” انتهى .
والله أعلم .
