السؤال:
ما الفرق بين الزكاة والضرائب ، وهل يجوز فرض هذه الضرائب؟ وهل يجب دفعها؟
الجواب :
الحمد لله
الزكاة ركن من أركان الإسلام ، فرضها الله تعالى على المسلمين الأغنياء تحقيقاً
لنوع من التكافل الاجتماعي ، والتعاون والقيام بالمصالح العامة كالجهاد في سبيل
الله .
وقد
قرنها الله تعالى بالصلاة في أكثر من آية ، وهو مما يؤكد على أهميتها ، وقد ثبت
وجوبها بالكتاب والسنة والإجماع .
أما
الضرائب التي تقررها الدولة وتفرضها على الناس ، فلا علاقة لها بما فرضه الله عليهم
من زكاة المال .
والضرائب من حيث الجملة : هي التزامات مالية تفرضها الدولة على الناس ، لتنفق منها
في المصالح العامة ، كالمواصلات ، والصحة ، والتعليم ، ونحو ذلك .
فالضرائب من وضع الناس وأنظمتهم ، لم يشرعها الله تعالى ، وأما الزكاة فهي شريعة
ربانية ، وعبادة من أعظم عبادات الإسلام .
وبعض الناس لا يخرج زكاة ماله اكتفاء بالضريبة التي يدفعها للدولة ، وهذا غير جائز
، فالضرائب شيء ، والزكاة شيء آخر .
قال
علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
“لا
يجوز أن تحتسب الضرائب التي يدفعها أصحاب الأموال على أموالهم من زكاة ما تجب فيه
الزكاة منها ، بل يجب أن يخرج الزكاة المفروضة ويصرفها في مصارفها الشرعية ، التي
نص عليها سبحانه وتعالى بقوله : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِينِ ) الآية” انتهى .
“فتاوى اللجنة الدائمة” (9/285) .
والأصل في فرض الضرائب على الناس أنه محرم ، بل من كبائر الذنوب ، ومتوعد فاعله أنه
لن يدخل الجنة ، وقد جاء في السنة النبوية ما يدل على أن الضريبة أعظم إثما من
الزنا ، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (39461)
.
وقد
يجوز في حالات استثنائية أن تفرض الدولة ضرائب على الناس ، وفق شروط معينة ، منها:
1-
أن تكون عادلة , بحيث توزع على الناس بالعدل , فلا ترهق بها طائفة دون طائفة ، بل
تكون على الأغنياء ، كل شخص على حسب غناه ، ولا يجوز أن تفرض على الفقراء ، ولا أن
يسوى فيها بين الفقراء والأغنياء .
2-
أن يكون بيت المال (وهو ما يسمى حاليا بخزينة الدولة) فارغاً , أما إذا كانت الدولة
غنية بمواردها , فلا يجوز فرض تلك الضرائب على الناس ، وهي حينئذ من المكوس المحرمة
، والتي تعد من كبائر الذنوب .
3-
أن يكون ذلك في حالات استثنائية لمواجهة ضرورةٍ ما ، ولا يجوز أن يكون ذلك نظاماً
مستمراً في جميع الأوقات .
جاء
في “الموسوعة الفقهية” (8/247) أن من موارد بيت المال :
“الضَّرَائِبُ الْمُوَظَّفَةُ عَلَى الرَّعِيَّةِ لِمَصْلَحَتِهِمْ , سَوَاءٌ
أَكَانَ ذَلِكَ لِلْجِهَادِ أَمْ لِغَيْرِهِ , وَلَا تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ
إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِي لِذَلِكَ , وَكَانَ
لِضَرُورَةٍ , وَإِلَّا كَانَتْ مَوْرِدًا غَيْرَ شَرْعِيٍّ” انتهى .
وموارد بيت مال المسلمين المالية المباحة والمشروعة كثيرة جداً ، قد سبق ذكرها في
جواب السؤال رقم (138115)
.
فلو
عمل بها المسلمون لأغناهم الله تعالى ، ولما احتاجوا إلى فرض الضرائب ، إلا في
حالات نادرة جداً .
4-
أن تنفق في المصالح الحقيقية للأمة ، فلا ينفق منها شيء في معصية الله ، أو في غير
مصلحة ، كالأموال التي تنفق على الممثلين والفنانين واللاعبين.
قال
الشيخ ابن جبرين رحمه الله :
“في
دفع الضرائب التي تفرضها الحكومات كضريبة المبيعات ، وضريبة الأرباح ، وضريبة
المصانع ، والضرائب على العمال ونحوهم ، وهي محل اجتهاد : فإن كانت الدولة تجمع
الضرائب عوضًا عن الزكاة المفروضة على التجار ونحوهم لزم دفعها ، وإن كانت تجمع
ضرائب زائدة عن الزكاة ، ولكن بيت المال بحاجة إلى تمويل للمصالح الضرورية كالمدارس
، والقناطر ، والمساجد ، وخدام الدولة جاز دفعها ، ولم يجز كتمانها .
أما
إن كانت الدولة تأخذ ضرائب على المواطنين غير الزكاة ، وتعبث بها في إسراف وفساد ،
ولهو وسهو وحرام ، ولا تصرفها في مصارفها الشرعية كأهل الزكاة ، فإنه يجوز كتمان
المال أو الأرباح حتى لا يدفع لهم مالا حرامًا ، فيساعدهم على فعل المحرمات ، فقد
قال تعالى : (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)” انتهى .
وقال الشيخ الألباني رحمه الله وهو يذكر الفرق بين المصالح المرسلة والبدعة :
“أما المصلحة المرسلة فشأنها يختلف كل الاختلاف عن البدعة الحسنة – المزعومة –
فالمصلحة المرسلة يراد بها تحقيق مصلحة يقتضيها المكان أو الزمان ويقرها الإسلام .
وفي هذا المجال يؤكد الإمام الشاطبي شرعية وضع ضرائب تختلف عن الضرائب التي اتُخذت
اليوم قوانين مضطربة في كثير إن لم نقل في كل البلاد الإسلامية ، تقليداً للكفار
الذين حرموا من منهج الله المتمثل في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله
وسلم ، فكان من الضرورة بالنسبة لهؤلاء المحرومين من هدي الكتاب والسنة أن يضعوا
لهم مناهج خاصة ، وقوانين يعالجون بها مشاكلهم ، أما المسلمون فقد أغناهم الله
تبارك وتعالى بما أنزل عليهم من الكتاب ، وبما بين لهم رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم ، لذلك فلا يجوز للمسلمين أن يستبدلوا القوانين بالشريعة ، فيحق فيهم
قول الله تبارك وتعالى: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ
خَيْرٌ) البقرة/61 . فلا يجوز أبداً أن تتخذ الضرائب قوانين ثابتة ، كأنها
شريعة منزلة من السماء أبد الدهر ، وإنما الضريبة التي يجوز أن تفرضها الدولة
المسلمة هي في حدود ظروف معينة تحيط بتلك الدولة . مثلاً – وأظن أن هذا
المثال هو الذي جاء به الإمام الشاطبي : – إذا هوجمت بلدة من البلاد الإسلامية ،
ولم يكن هناك في خزينة الدولة من المال ما يقوم بواجب تهيئة الجيوش لدفع ذلك الهجوم
من أعداء المسلمين ، ففي مثل هذه الظروف تفرض الدولة ضرائب معينة وعلى أشخاص
معينين ، عندهم من القدرة أن يدفعوا ما فرض عليهم ، ولكن لا تصبح هذه
الضريبة ضريبة لازمة ، وشريعة مستقرة – كما ذكرنا آنفاً – فإذا زال السبب العارض
وهو هجوم الكافر ودفع عن بلاد الإسلام ؛ أُسقطت الضرائب عن المسلمين ؛ لأن السبب
الذي أوجب تلك الضريبة قد زال ، والحكم – كما يقول الفقهاء – يدور مع العلة وجوداً
وعدماً ، فالعلة أو السبب الذي أوجب تلك الفريضة قد زال ، فإذاً تزول بزوالها هذه
الضريبة .
وباختصار : ليس هناك ضرائب تتخذ قوانين في الإسلام ، وإنما يمكن للدولة
المسلمة أن تفرض ضرائب معينة لظروف خاصة ، فإذا زالت الظروف زالت الضريبة”
انتهى .
http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=109346-44k
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
“كل
شيء يؤخذ بلا حق فهو من الضرائب ، وهو محرم ، ولا يحل للإنسان أن يأخذ مال أخيه
بغير حق ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا بعت من أخيك ثمراً فأصابته
جائحة ، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً ، بم تأكل مال أخيك بغير حق ؟) ولكن على
المسلم السمع والطاعة ، وأن يسمع لولاة الأمور ويطيع ولاة الأمور ، وإذا طلبوا
مالاً على هذه الأشياء سلمه لهم ، ثم إن كان له حق فسيجده أمامه [يعني يوم القيامة]
، وإن لم يكن له حق بأن كان الذي أخذ منه على وجه العدل فليس له حق ، والمهم أن
الواجب علينا السمع والطاعة من ولاة الأمور ، قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) ولا يجوز أن نتخذ من مثل هذه الأمور وسيلة إلى
القدح في ولاة الأمور وسبهم في المجالس وما أشبه ذلك ، ولنصبر ، وما لا ندركه من
الدنيا ندركه في الآخرة” انتهى .
“لقاء الباب المفتوح” (65/12) .
