الجواب :
الحمد لله
روى البخاري (6989) من حديث أبي سعيد ، ومسلم (2263) من حديث أبي هريرة
عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ( الرُّؤْيَا
الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ) .
وقد وردت رواية أخرى في عد أجزاء النبوة ، ينظر : “فتح الباري” (12 /363) .
وقد اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث اختلافا واضحا
:
فقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : أَجْزَاء النُّبُوَّة لَا يَعْلَم
حَقِيقَتهَا إِلَّا مَلَك أَوْ نَبِيٌّ , وَإِنَّمَا الْقَدْر الَّذِي أَرَادَهُ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْء
مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة فِي الْجُمْلَة ، لِأَنَّ فِيهَا اِطِّلَاعًا عَلَى
الْغَيْب مِنْ وَجْه مَا , وَأَمَّا تَفْصِيل النِّسْبَة فَيَخْتَصّ بِمَعْرِفَتِهِ
دَرَجَة النُّبُوَّة .
وَقَالَ الْمَازِرِيّ : لَا يَلْزَم الْعَالِم أَنْ يَعْرِف كُلّ شَيْء جُمْلَة
وَتَفْصِيلًا , فَقَدْ جَعَلَ اللَّه لِلْعَالِمِ حَدًّا يَقِف عِنْده , فَمِنْهُ
مَا يَعْلَم الْمُرَادَ بِهِ جُمْلَة وَتَفْصِيلًا , وَمِنْهُ مَا يَعْلَمهُ
جُمْلَة لَا تَفْصِيلًا , وَهَذَا مِنْ هَذَا الْقَبِيل .
وذهب بَعْض أَهْل الْعِلْم إلى أن وجه المناسبة في ذكر هذا العدد في الحديث أَنَّ
اللَّه أَوْحَى إِلَى نَبِيّه فِي الْمَنَام سِتَّة أَشْهُر , ثُمَّ أَوْحَى
إِلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ فِي الْيَقَظَة بَقِيَّة مُدَّة حَيَاته , وَنِسْبَتهَا مِنْ
الْوَحْي فِي الْمَنَام جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا ، لِأَنَّهُ عَاشَ
بَعْد النُّبُوَّة ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَة عَلَى الصَّحِيح . وقد أنكر هذا
التأويل ابن بطال والخطابي وغيرهما .
وقَالَ النَّوَوِيّ : لَمْ يَثْبُت أَنَّ زَمَن الرُّؤْيَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سِتَّة أَشْهُر .
وقَالَ الْمَازِرِيّ : وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّ
لِلْمَنَامَاتِ شَبَهًا مِمَّا حَصَلَ لَهُ وَمَيَّزَ بِهِ من النُّبُوَّة ،
بِجُزْءٍ مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا .
وقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء :
مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الرُّؤْيَا تَأْتِي عَلَى مُوَافَقَة النُّبُوَّة ,
لِأَنَّهَا جُزْء بَاقٍ مِنْ النُّبُوَّة .
وقال ابن الأثير :
” ليس المعْنى أن النُّبوّة تَتَجزَّأ ، وَلاَ أنَّ مَن جَمع هذه الخلالَ كان فيه
جزءٌ من النبوّة ، فإن النبوَّة غيرُ مكْتَسَبة ، ولا مُجْتَلبَة بالأسباب ،
وإنَّما هي كرامة من اللّه تعالى .
راجع :
“فتح الباري” (12/361-368) – “الفروق” – للقرافي (4/410-414) – “شرح مسلم” – للنووي
(15/21) – “شرح البخاري” – لابن بطال (9/515-516) – “عون المعبود” (13 /246) –
“التمهيد” (1/279-285) ، “النهاية” لابن الأثير(1 /741) .
على أننا نعود فننبه إلى أن سياق الحديث إنما هو في
الرؤى الصادقة وشأنها ، وليس في ضبط أجزاء النبوة ، فمثل هذا لا يعرف إلا بتوقيف من
النبي صلى الله عليه وسلم لنا ، ولم يأته به توقيف ، ولا ينبني عليه كبير عمل ؛
فالنبوة قد انقطعت ، ولو لم تنقطع فلا مطمع في نيلها ببحث ولا طلب ، ولا جد ولا
اجتهاد ؛ إنما هي فضل الله يؤتيه من يشاء ، وقد ختم هذا الفضل بنبينا محمد صلى الله
عليه وسلم .
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين : ما معنى قول النبي صلى
الله عليه وسلم : ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة )
فأجاب : ” معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا
من النبوة ) أن رؤيا المؤمن تقع صادقة لأنها أمثال يضربها الملك للرائي ، وقد تكون
خبرا عن شيء واقع ، أو شيء سيقع فيقع مطابقا للرؤيا فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة
في صدق مدلولها وإن كانت تختلف عنها ، ولهذا كانت جزءا من ستة وأربعين جزءا من
النبوة .
وتخصيص الجزء بستة وأربعين جزءا من الأمور التوقيفية التي لا تُعلم حكمتها كأعداد
الركعات والصلوات ” انتهى .
“مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين” (1 /327-328) .
والله تعالى أعلم .
