إذا كنت أنا مريضا ، لا سمح الله ، بمرض مستعصٍ ؛ فرفضت العلاج وصبرت ، هل يحصل لي الأجر العظيم ؟ وهل يدخل هذا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب،هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون”. وحديث (إني امرأة أصرع فأتكشف فادعو الله لي..).الخ
الحمد لله
أولا :
ينبغي أن تعلم أنه لا مرض يستعصي على الله تعالى ، فالله الذي أنزل الداء أنزل
الدواء ، علمه من علمه ، وجهله من جهله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما
أنزل الله عز وجل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله ) رواه
أحمد وحسنه الألباني في غاية المرام برقم (292).
فليعظم رجاؤك فيما عند الله تعالى ، ولتحسن الظن به ، أنه شافيك ومعافيك ومنعم عليك
، فإنه سبحانه عند ظن عبده به .
والمرض ابتلاء يبتلي الله به عبده ، لحكم كثيرةٍ جليلة ، انظر طرفا منها في جواب
السؤال رقم (21631)
ثانيا :
اختلف العلماء في حكم التداوي ، فذهب جمهورهم إلى عدم وجوبه ، وذهب جماعة منهم إلى
وجوبه إذا خشي الإنسان على نفسه التلف بتركه .
قال شيخ الإسلام رحمه الله : ” ليس بواجب عند جماهير الأئمة ، إنما أوجبه طائفة
قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد ” نقله السفاريني في غذاء الألباب (1/459).
وقال في “تحفة المحتاج” (3/182) : ” ونقل عياض الإجماع على عدم وجوبه ، واعتُرض بأن
لنا وجهاً بوجوبه إذا كان به جرح يخاف منه التلف ، وفارق وجوب نحو : إساغة ما غص به
بخمر ، وربط محل الفصد ؛ لتيقن نفعه ” انتهى .
وفي حاشيته : ” في باب ضمان الولاة من الأنوار عن البغوي أنه إذا علم الشفاء في
المداواة وجبت ” انتهى .
وفي حاشية قليوبي وعميرة” (1/403) : ” وقال الإسنوي : يحرم تركه في نحو جرح يظن فيه
التلف كالقصد ” انتهى .
وما ذكروه من الفرق بين التداوي وبين إساغة الغصة ولو بالخمر ، أو ربط الفصد ،
والحكم بوجوب هذين لتيقن نفعهما ، يفيد بأن الدواء إذا تُيقن نفعه وجب ، إذا كان
المرض مما يخشى منه التلف ، فيدخل في ذلك إيقاف النزيف ، وخياطة الجروح ، وبتر
العضو التالف المؤدي إلى تلف بقية البدن ، ونحو ذلك مما يجزم الأطباء بنفعه وضرورته
، وأن تركه يؤدي إلى التلف أو الهلاك .
وقد أخذ مجمع الفقه الإسلامي بالقول بوجوب التداوي إذا كان تركه يفضي إلى تلف النفس
أو أحد الأعضاء أو العجز ، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره ، كالأمراض المعدية .
انظر نص قرار المجمع في جواب السؤال رقم (2148).
وبناء على ذلك : فإن كان المرض المسئول عنه مما يؤدي إلى تلف النفس أو أحد الأعضاء
، في حال ترك التداوي ، فإنه يجب أخذ الدواء ، ولا يجوز الإعراض عنه ، في قول من
ذكرنا من الشافعية ، وما اختاره علماء مجمع الفقه الإسلامي .
وإن كان المرض لا يبلغ هذا المبلغ ، فيجوز أخذ الدواء ، كما يجوز تركه ، واختلف
العلماء في أيهما أفضل ، والنصوص تدل على أن التداوي أفضل ، وهو قول الجمهور ، قال
السفاريني رحمه الله في “غذاء الألباب” (1/457) : ” وقيل فعل التداوي أفضل من تركه
, وبه قال بعض الشافعية . وذكر الإمام النووي في شرح مسلم أنه مذهب الشافعية وجمهور
السلف وعامة الخلف , وقطع به ابن الجوزي من أئمتنا في المنهاج والقاضي وابن عقيل
وغيرهم , واختاره الوزير بن هبيرة في الإفصاح . قال : ومذهب أبي حنيفة أنه مؤكد حتى
يداني به الوجوب . ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه , فإنه قال لا بأس بالتداوي ولا
بأس بتركه ” انتهى .
ثالثا :
التداوي لا ينافي التوكل على الله تعالى ، فإن النبي صلى الله عليه
وسلم تداوى ، وأرشد أمته إلى التداوي ، وهو سيد المتوكلين صلى الله عليه وسلم ، قال
ابن القيم رحمه الله : ” في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي ، وأنه لا ينافي
التوكل ، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها ، بل لا تتم حقيقة
التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا ، وأن
تعطيلها يقدح في نفس التوكل ـ كما يقدح في الأمر والحكمة ـ ويضعفه ، من حيث يظن
معطلها أن تركها أقوى في التوكل ، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد
القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ، ودفع ما يضره في دينه
ودنياه ، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ، وإلا كان معطلا للحكمة والشرع
، فلا يجعل العبد عجزه توكلا ، ولا توكله عجزا ” انتهى من ” زاد المعاد ” (
4 / 15).
رابعا :
أما حديث الصحيحين : ( يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا
بِغَيْرِ حِسَابٍ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) البخاري (6472) ومسلم (218) ففيه
استحباب ترك الاسترقاء أي طلب الرقية من الغير ، وليس فيه تعرض لحكم التداوي
بالأدوية النافعة .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” ولا يدخل في ذلك من عرض نفسه على الطبيب للدواء
؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل : لا يتداوون ؛ بل قال : ( لا يكتوون ولا
يسترقون ) اللهم إلا أن يعلق الإنسان قلبه بالطبيب ، ويكون رجاؤه وخوفه من المرض
متعلقا بالطبيب ، فهذا ينقص توكله على الله عز وجل ، فينبغي للإنسان إذا ذهب إلى
الأطباء أن يعتقد أن هذا من باب بذل الأسباب ، وأن المسبب هو الله سبحانه وتعالى
وحده ، وأنه هو الذي بيده الشفاء ، حتى لا ينقص توكله ” . فتاوى نور على
الدرب (3/213) .
خامسا :
وأما حديث المرأة التي كانت تصرع وتتكشف ، ولفظه : عن عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ
قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ : ( أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ
الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى ، قَالَ : هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ ؛ أَتَتْ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي أُصْرَعُ
وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ ، فَادْعُ اللَّهَ لِي .
قَالَ : إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ
أَنْ يُعَافِيَكِ !!
فَقَالَتْ : أَصْبِرُ . فَقَالَتْ : إِنِّي أَتَكَشَّفُ ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ
لَا أَتَكَشَّفَ ؛ فَدَعَا لَهَا )
رواه البخاري (5652) ومسلم (2576) .
فهذا الحديث يدل على جوزا ترك التداوي في مثل هذه الحال ، لمن قويت عزيمته وقدر على
ذلك .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ” وَفِي الْحَدِيث فَضْل مَنْ يُصْرَع , وَأَنَّ
الصَّبْر عَلَى بَلَايَا الدُّنْيَا يُورِث الْجَنَّة , وَأَنَّ الْأَخْذ
بِالشِّدَّةِ أَفْضَل مِنْ الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ ، لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسه
الطَّاقَة وَلَمْ يَضْعُف عَنْ اِلْتِزَام الشِّدَّة , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز
تَرْك التَّدَاوِي , وَفِيهِ أَنَّ عِلَاج الْأَمْرَاض كُلّهَا بِالدُّعَاءِ
وَالِالْتِجَاء إِلَى اللَّه أَنْجَع وَأَنْفَع مِنْ الْعِلَاج بِالْعَقَاقِيرِ ,
وَأَنَّ تَأْثِير ذَلِكَ وَانْفِعَال الْبَدَن عَنْهُ أَعْظَم مِنْ تَأْثِير
الْأَدْوِيَة الْبَدَنِيَّة , وَلَكِنْ إِنَّمَا يَنْجَع بِأَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا
مِنْ جِهَة الْعَلِيل وَهُوَ صِدْق الْقَصْد , وَالْآخَر مِنْ جِهَة الْمُدَاوِي
وَهُوَ قُوَّة تَوَجُّهه وَقُوَّة قَلْبه بِالتَّقْوَى وَالتَّوَكُّل , وَاَللَّه
أَعْلَم ” انتهى .
والله أعلم .
