من العادات المنتشرة في المنطقة التي أسكن بها : أن تعطي المرأة في المناسبات – ولادة ، زفاف … – مبلغاً من المال ليس بالكثير – 5 دنانير مثلاً – عند تقديمها التهاني لقريبتها ، أو جارتها ، والمرأة التي استلمت المال مطالَبة عند حلول أية مناسبة أخرى أن تزورها ، إما أن ترجع إليها نفس المبلغ الذي تسلمته – وهنا تقول أكثر النسوة إنها لا تريد أن تطور علاقتها بها – وإما أن تزيد عليه – وهو الغالب لديهن – ويحدث أن تلوم المرأةُ التي أعطت المال المرأةَ الأخرى إن لم تزرها وترد إليها مالها ، وقد تتحدث عنها بأنها أكلت مالها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فما حكم هده المعاملة ؟ وهل الزيادة التي تحدثتُ عنها من الربا ؟
عن نفسي : لا أحبذ هده الزيادة إلا إذا كانت المرأة محتاجة ، أو على خلق .
أفيدونا ، يرحمكم الله .
الجواب :
الحمد لله
أولا :
ما
جرى به عرف الناس في كثير من البلاد من بذل المال في مثل هذه المناسبات السارة ،
لصاحب العرس ، أو من رزق بمولود ، أو نحو ذلك ، على أن يعود آخذ المال ، فيرد نفس
المبلغ ، أو أزيد منه ، في مثل هذه المناسبات : لا بأس به ، بل هو أمر حسن ، لما
فيه من المواساة بالمال ، ومساعدة الآخرين في مثل هذه المناسبات التي يغلب الحاجة
فيها إلى المال ، لكثرة النفقات فيها .
وهذا المال ، وهو المعروف في كثير من البلاد باسم ” النقوط ” ، هو قرض ، يجب رده في
مثل هذه المناسبة ، كما جرى به عرف الناس ، بل إذا احتاجه باذله وطلبه : وجب رده
إليه متى طلبه ، ولذلك لا يزال يذكره الباذل له ، ويقيده في أوراق خاصة بمثل هذا
النوع من القروض .
وقد
نص غير واحد من الفقهاء على أن ” النقوط ” دين ، يجب رده لصاحبه ، على ما جرى به
العرف .
َسُئِلَ الفقيه الشافعي : ابن حجر الهيتمي عن حكم النقوط . فأجاب :
”
َالنُّقُوطُ : أَفْتَى الْأَزْرَقِيُّ وَالنَّجْمُ الْبَالِسِيُّ بِأَنَّهُ قَرْضٌ
، فَيَرْجِعُ بِهِ دَافِعُهُ , وَخَالَفَهُمَا الْبُلْقِينِيُّ ، وَالْعَادَةُ
الْغَالِبَةُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يُعْطِي شَيْئًا مِنْهُ إلَّا بِقَصْدِ
أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ مِثْلُهُ ، إذَا عَمِلَ نَظِيرَ ذَلِكَ الْفَرَحِ ,
وَقَاعِدَةُ أَنَّ الْعَادَةَ مُحْكَمَةٌ تُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ , وَاَللَّهُ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ . ” انتهى .
“الفتاوى الفقهية الكبرى” (3/265) .
وقال المرداوي ـ الحنبلي ـ :
”
فَائِدَةٌ : قَالَ الْكَمَالُ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ فِي ”
النُّقُوطِ ” الْمُعْتَادِ فِي الْأَفْرَاحِ : قَالَ النَّجْمُ الْبَالِسِيُّ :
إنَّهُ كَالدَّيْنِ لِدَافِعِهِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ , وَلَا أَثَرَ لِلْعُرْفِ فِي
ذَلِكَ . فَإِنَّهُ مُضْطَرِبٌ . فَكَمْ يَدْفَعُ النُّقُوطَ , ثُمَّ يَسْتَحِقُّ
أَنْ يُطَالِبَ بِهِ ؟ انْتَهَى . (الإنصاف 8/315) .
والشاهد من النص أنه حكم بأن النقوط دين ، يجب رده إلى صاحبه ، حتى مع اضطراب العرف
في شأنه ، فأما إذا كان العرف مضطردا برده والمطالبة به : فلا شك في أنه أقوى في
القضاء بوجوب رده واعتباره دينا ، وهو ما بنى عليه الهيتمي ترجيحه فيما سبق نقله .
وسئل الشيخ عليش المالكي رحمه الله عن : ” رَجُلٍ صَنَعَ عُرْسًا فَوَهَبَ لَهُ
رَجُلٌ إرْدَبَّ قَمْحٍ هِبَةَ ثَوَابٍ , ثُمَّ بَعْدَ سِنِينَ طَلَبَ الْوَاهِبُ
الثَّوَابَ فَهَلْ يُقْضَى عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِدَفْعِ الثَّوَابِ
لِلْوَاهِبِ .. ؟ ”
فقال في جوابه :
”
نَعَمْ يُقْضَى عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِدَفْعِ الثَّوَابِ لِلْوَاهِبِ ، إنْ
شَرَطَ ، أَوْ اُعْتِيدَ ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الدَّفْعِ لَا يَوْمَ
الطَّلَبِ ، كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَغَيْرِهِ …
قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ : مَا يُهْدَى مِنْ الْكِبَاشِ وَغَيْرِهَا عِنْدَ
الْعُرْسِ : فَإِنَّهُ يُقْضَى لِلطَّالِبِ بِالْمُكَافَأَةِ عَلَيْهِ ؛ لِلْعُرْفِ
، وَأَنَّ الضَّمَائِرَ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُهْدِيهِ مِثْلَهَا إذَا كَانَ
لَهُ عُرْسٌ …
وَاسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ إذَا كَانَ لَهُ عُرْسٌ : أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ
الصَّبْرُ حَتَّى يَحْدُثَ لَهُ عُرْسٌ ، وَنَحْوُهُ فِي الْبُرْزُلِيِّ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّتَّائِيِّ : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلَيْهِ ،
إنْ جَرَى بِهِ الْعُرْفُ . وَتَبِعَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَالْخَرَشِيُّ وَنَصُّهُ :
وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّوَابَ إلَّا أَنْ
تَفُوتَ بِيَدِهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِ
الْهِبَةِ ، وَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ شَيْئِهِ مُعَجَّلًا , وَلَا
يَلْزَمُ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ عُرْسٌ انْتَهَى …” انتهى .
وفي
السؤال التالي له :
”
مَا قَوْلُكُمْ فِيمَنْ دَفَعَ لِآخَرَ نُقُوطًا فِي فَرَحٍ , ثُمَّ طَالَبَهُ بِهِ
فَهَلْ يُجَابُ لِذَلِكَ مُعَجَّلًا , وَلَا يَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ حَتَّى
يَحْدُثَ لَهُ فَرَحٌ أَفِيدُوا الْجَوَابَ ؟
فَأَجَبْت : بِأَنَّهُ يُجَابُ لِذَلِكَ مُعَجَّلًا ، لِلنَّصِّ الْمَذْكُورِ فِي
الْجَوَابِ قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ” انتهى .
”
فتح العلي المالك” (2/268) .
ثانيا :
ما
جرت به العادة من رد هذا النقوط ، مع زيادة أخرى للمهدي ، تصبح دينا عنده ، ويصبح
هو مدينا بهذا النقوط الجديد : الذي يظهر أنه لا بأس به ، إن شاء الله ؛ فإن هذه
الزيادة التي جرى العرف بها : لن يتملكها الباذل الأول نظير القرض الذي بذله (
النقوط ) ؛ بل هي نوع من المكافأة والمواساة والعدل في المعاملة : فكما أن الباذل
الأول أقرضك عند حاجتك ، فمن العدل أن تقرضه أنت عند حاجته ، وليس فقط أن ترد إليه
دينه ، وهي تشبه ، من بعض الوجوه ، جمعية الموظفين : التي يقرض فيها كل واحد صاحبه
، على أن يقرضه الآخر إذا جاءت نوبته في استلامها .
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قوله تعالى : ( وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ
نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ
يَرْضَى ) الليل/19-21 : ” والمعنى : لا يقتصر في العطاء على من له عنده يد يكافئه
بذلك ؛ فإن هذا من العدل الواجب للناس بعضهم على بعض ، بمنزلة المعاوضة في المبايعة
والمؤاجرة ، وهذا واجب لكل أحد على كل أحد ؛ فإذا لم يكن لأحد عنده نعمة تجزى : لم
يحتج إلى هذه المعادلة ، فيكون عطاؤه خالصا لوجه ربه الأعلى”.
“منهاج السنة النبوية” (7/372) ، وينظر : “الفروع” لابن مفلح (4/638) ، “الاختيارت”
، لشيخ الإسلام (183) .
تنبيه :
إذا
جرى العرف في بلد معين بأن ما يعطى في مثل هذه المناسبات إنما هو هبة محضة ، لا
ينتظره باذله رده ، ولا يطلب ثواباً عليه ، فهذا ليس ديناً ، ولا يجب على آخذه
إحصاؤه ، ورده ، وإن كان يستحب له أن يكافئ المعطي على ذلك .
وهكذا إن قامت قريبة قوية على أن صاحبه لا ينتظر أن يسترد ما بذله ، كأن يكون أباً
أو أخاً أو صديقاً حميماً أراد أن يهديه أو يواسيه بماله .
والله أعلم .
