السؤال :
أخي يأتيه بعض الموظفين بأموال مكتسبة من حرام (رشوة) دون أن يطلب منهم أو يأمرهم بذلك. فيأخذها ويرسلها لمن يتخلص منها. – هل هي حلال عليه أن يتسلمها أصلا منهم؟ لأنه يبرر ذلك بأن ينتزعها منهم ويعطها للفقراء أفضل من أن يأكلوها. – هل الذي أرسلت إليه هذه الأموال حلال عليه؟ وماذا لو كانت أخته؟

الجواب :

الحمد لله

أولاً :

إن
كان المقصود أن أخاك يأتيه من يدفع له الرشوة لتسهيل بعض الأمور ، فيقبلها ثم
يعطيها للفقراء ، فقبوله للرشوة عمل محرم ؛ لعموم الأدلة في تحريم الرشوة ، ولما في
ذلك من السكوت على المنكر وإقراره وإشاعته بين الناس ، فإن الراشي يظن أن حاجته قد
قضيت بالرشوة .

والواجب : رفض الرشوة وردها على صاحبها ، والإنكار عليه ، وبيان حرمتها ، لا
التظاهر بقبولها وأخذها .

وقد
روى أحمد (6791) وأبو داود (3580) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما
قَالَ : (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِي
وَالْمُرْتَشِي) والحديث صححه الألباني في “إرواء الغليل” (2621).

وإعطاء الرشوة للفقراء لا يبيح أخذها ، وليس للإنسان أن يتعامل بالحرام ليتصدق أو
يحسن ، ويكفي لقبح هذا العمل أنه يقال : فلان يقبل الرشوة ، ويقضي المصالح لأجلها .

 

وإن
كان المقصود أن بعض الموظفين يأخذ الرشوة ثم يعطي جزءا منها لأخيك دون طلب منه ،
فيأخذها ويعطيها الفقراء ، فهذا محرم كذلك ؛ لما فيه من السكوت على الرشوة وإقرارها
وقبولها في الظاهر ، وقد يكون مراد الدافع لها هو هذا السكوت والمشاركة .

لكن
إن جاء الموظف الذي قبل الرشوة وأراد التوبة والتخلص من المال الحرام فأعطاه لأخيك
ليتخلص منه ، فلا حرج في ذلك ؛ لأنه إعانة على الطاعة .

 

ثانياً :

إذا
تاب المرتشي وتخلص من المال الحرام ، وأعطاه للفقراء والمساكين ونحوهم ، فلا حرج
عليهم في أخذه وهو حلال لهم ؛ لأنهم أخذوه بوجه مشروع .

 

قال
النووي رحمه الله في “المجموع” (9/428) : ” قال الغزالي : إذا كان معه مال

حرام وأراد التوبة والبراءة منه : فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله

,
فإن كان ميتا وجب دفعه إلى وارثه , وإن كان لمالكٍ لا يعرفه ، ويئس من معرفته ،

فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة , كالقناطر والمساجد , ونحو ذلك مما
يشترك المسلمون فيه , وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء ….

وإذا دفعه إلى الفقير لا يكون حراما على الفقير , بل يكون حلالا طيبا , وله أن

يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا , لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود

فيهم , بل هم أولى من يتصدق عليه , وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته لأنه أيضا فقير .

وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب , وهو كما قالوه ,

ونقله الغزالي أيضا عن معاوية بن أبي سفيان وغيره من السلف ، وعن أحمد بن حنبل

والحارث المحاسبي وغيرهما من أهل الورع , لأنه لا يجوز إتلاف هذا المال ورميه في

البحر , فلم يبق إلا صرفه في مصالح المسلمين , والله سبحانه وتعالى أعلم ” انتهى .

 

والله أعلم .