أنا آنسة من . . . أعمل رئيسة قسم في إحدى الوزارات .

من عائلة ميسورة ، ولها علاقات مع كبار المسئولين بالبلد .

أحس بغربة شديدة في مجتمعنا ، أكره الاختلاط ، وعدم اهتمام المجتمع بالدين ، وأحب الحجاب ، وأقرأ القرآن . .

رفضت كل من تقدم لي ؛ لأنهم بعيدون عن الدين وليسوا ملتزمين ، ويشربون الخمر .

سافرت مع أهلي للعمرة ، استمتعت بالصلاة في الروضة الشريفة ، واستمتعت بالصلاة والدعاء في مكة ، واستمتعت بمجتمع السعودية المحافظ ، واستمتعت بلبسي للنقاب والعباءة الذي لا أستطيع أن ألبسه في بلدي ، وكانت متعة لا مثيل لها ، وكانت أياماً من أسعد أيام حياتي .

أعمل طول اليوم حتى الساعة السادسة بعد الظهر ، ثم أرجع للبيت وأصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء مع بعض ؛ لأجل أن الشغل ما فيه مجال ولا مكان لنا خاص حتى الأماكن التي ممكن أن نتوضأ فيها مختلطة .

أحس بقرف شديد وأحس أن إيماني ضعف كثيراً ، وخائفة من الفتنة .

لا أستطيع أن أتزوج ، ولا أستطيع أن أقوم بواجباتي الدينية ، إما أن أعيش مثل سائر الناس ، وأرضى بواحد فاسق – والمعذرة على هذه الكلمة – وإما أن أخرج من هذه البلد التي كل ما فيها قرف في قرف .

” أنا دخلت كل مواقع الإنترنت المخصصة للزواج وهذا آخر أمل لي ” .

المشكلة الآن أني توقفت عن الصلاة ! وتوقفت عن قراءة القرآن لأنني أحس أن عيشتي نفاق في نفاق ، أريد أن أتحجب ، ورغبتي في الحجاب أكيدة ، وأريد أتزوج وأصون نفسي من الفتنة .

كل صلاتي تكون بكاء وبكاء وكل ما أقرأ القرآن أبكي بمرارة ، حياتي أصبحت مرارة في مرارة .

أغيثوني ، أنقذوني من الفتنة.

 

الحمد لله

أولا :

نحن نقدر حجم المشكلة التي تعانين منها ، ونقدر حجم الضغوط التي
تتعرضين لها من أجل التنازل عن دينك والتزامك ، وهذه المشكلة ليست مشكلتك فقط ، بل
هي مشكلة آلاف من المسلمين يريدون التمسك بأحكام هذا الدين القويم ، ويريدون حياة
الشرف والعفة والأخلاق ، لكن تواجههم كثير من الصعاب ، في ظل مجتمعات ـ وللأسف ـ
انحرفت عن الإسلام كثيراً ، وصارت تنظر بعين الاحتقار والسخرية والازدراء لكل من
يتمسك بالدين ، وفي ظل حكومات لا تتوانى في التضييق على الملتزمين ، ولا يخفى على
أحد ما تفعله بلادكم لحرب الإسلام والمتمسكين به ، نسأل الله أن يرد كيدهم في
نحورهم ، وأن ينصر دينه وعباده المؤمنين .

ثانياً :

(ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة) هكذا قال
الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن السلعة الغالية تحتاج إلى ثمن كبير ، وليس
هناك أغلى من الجنة ، ولهذا لابد أن يوطن المسلم نفسه على أن أي صعوبات يواجهها في
طريقه إلى الجنة ، أنها أمر متوقع ، وهي في حقيقة الأمر ـ مهما بلغت شدتها وقسوتها
ـ لا تساوي شيئا إذا ما قورنت بالنعيم الذي ينتظره في الجنة .

فهذا مما يهوِّن على المسلم مصائب الدنيا ، والصعوبات التي
يواجهها في طريقه إلى الله .

وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد أهل الأرض بؤساً ـ
وهو من أهل الجنة ـ أنه يؤتى به يوم القيامة ويغمس في الجنة غمسة ، فيقال له : يا
ابن آدم ، هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول : لا والله يا رب ، ما مر بي
بؤس قط ، ولا رأيت شدة قط . رواه مسلم (2807) .

والعقل يذهب في تصوير حال هذا الشخص ( أشد أهل الأرض بؤساً )
كلَّ مذهب ، ويتصور أفظع المواقف والابتلاءات ، ومع ذلك ، فغمسة واحدة في الجنة
تنسيه كل ذلك .

وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن أيام الصبر ، والمتمسك
بدينه في ذلك الوقت كالقابض على الجمر ، ولعل هذا الزمان هو الذي عناه الرسول صلى
الله عليه وسلم ، فلابد من الصبر ، ولابد من تحمل الصعاب ـ مهما كانت ـ بل لابد من
مواجهتها ، وإلا خسر الإنسان دنياه وأخراه (وَالْعَصْر * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي
خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ
وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) .

ثالثاً :

في ظل ما تعانين منه من ضغوط اجتماعية وسياسية ـ ونحن نقدر شدتها
وقسوتها ـ هذه بعض النصائح التي نهديها إليك وإلى كل من يواجه مثل هذه المشكلة ، مع
التنبيه إلى أنه في ظل هذه الضغوط قد يجد المسلم ضيقاً شديداً وصعوبة بالغة في
التمسك بأحكام الدين ، فلا مناص من الرضا بأنصاف الحلول ، وبعض الالتزام خوفاً من
تركه بالكلية ، ولكن بشرط أن يتطلع المسلم دائما إلى الأفضل ، ويسعى بكل وسعه إلى
تجاوز الصعاب ، والتدرج إلى الكمال شيئاً فشيئاً .

فـ ” أنصاف الحلول ” هذه ، ما هي إلا مرحلة مؤقتة ، وليست دائمة
.

وما لا يستطيع المسلم فعله بكامله اليوم بسبب ما يواجهه من ضغوط
، فليفعل ما يستطيعه منه ـ على ما فيه من نقص ـ حتى يصل إلى الكمال شيئا فشيئا ،
ويتقبل المجتمع انتقاله من حال إلى حال ، فإن ذلك أسهل من مواجهات ومشاكل لا طاقة
للإنسان بها .

وهذه بعض النصائح – ونعتذر لطولها – ولكن الأمر خطير ،
وبالغ الأهمية ، ويحتاج إليه كما قلنا آلاف وآلاف من المسلمين ، فلا تكفيه كلمة أو
كلمتان :

1- ” لا حول ولا قوة إلا بالله ”

كلمة جميلة ، وهي كنز من كنوز الجنة ، ومعناها : لا قدرة لنا على
التحول من حال إلى حال ، من معصية إلى طاعة ، ومن تقصير إلى كمال ….إلا بمعونة
الله وتوفيقه وتسديده .

فلابد من الاستعانة بالله أولاً وآخراً ، وفي سورة الفاتحة التي
يقرؤها المسلم كل يوم مرات ومرات : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ،
فلا نستطيع القيام بعبادة الله إلا إذا وفقنا الله لذلك وأعاننا عليه ، ومن دعاء
أهل الجنة : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا
لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) الأعراف/43 .
وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا )
“السلسلة الصحيحة” (226) .

فلابد من الاستعانة بالله والاعتماد عليه واستشعار أن الأمور
كلها بيده ، بكلمة “كن” يفعل ما يريد .

فاستعيني بالله ، وفوضي أمرك إليه ، وثقي بفرج الله ( وَمَنْ
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) “أي كافيه”
الطلاق/3 .

2- الدعاء الدعاء

أكثري من الدعاء ، بأن ييسر الله لك أمرك ، ويوفقك لكل خير ،
ويلهمك رشدك ، ويصرف عنك السوء وأهله ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : (
إني لا أحمل هم الإجابة ، ولكن هم الدعاء ، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه )
فبالدعاء تفرج الهموم ، وتزول الغموم .

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو
بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ
بِهَا إِحْدَى ثَلاثٍ : إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ ، وَإِمَّا أَنْ
يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ
مِثْلَهَا . قَالُوا : إِذًا نُكْثِرُ ! قَالَ : اللَّهُ أَكْثَرُ ) رواه
أحمد (10794) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1633) ، فالداعي على
خيرٍ دائماً ، ومهما أكثر من الدعاء فالله أكثر خيراً وإنعاماً وفضلاً .

3- العبادات لاسيما الصلاة

عليك بالاهتمام بالعبادات ، فإنها تحيي القلب ، وتنبه الغافل ،
وهي من أهم عوامل الثبات ، وإكمال المسيرة ، بعد توفيق الله تعالى .

وأعظم العبادات : الصلاة ، فإنها ركن الدين الركين بعد الشهادتين
، وعمود الإسلام ، ولا حياة للقلوب من غير الصلاة ، وإنها لتريح العبد من كل الهموم
والمضايقات ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال : ( أرحنا بها يا بلال )
“صحيح سنن أبي داود” (4985) .

فصلي ، واخشعي ، وتدبري ، وابكي ، وأزيلي عنك هموم الدنيا وتعبها
.

4- قراءة القرآن الكريم

حافظي على قراءة القرآن الكريم ، ليكن لك وِرْد منه كل يوم ، لا
تتركيه ، وليكن عندك تفسير مختصر يساعدك على فهم الآيات وتدبرها ، كتفسير السعدي ،
أو أيسر التفاسير للشيخ أبي بكر الجزائري .

فإنه لا أعظم من كلام الله ، ولا موعظة أبلغ من مواعظ الله ،
وليس هناك كتاب فيه الهداية والبيان والاستقامة وتفريج الكروب وإزالة الهموم : مثل
القرآن .

5- الأذكار والأدعية

داومي على الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في
الأوقات والمناسبات المختلفة ، كأذكار الصباح والمساء ، وعند النوم والاستيقاظ ،
والأكل والشرب ، وعند الخروج من المنزل ، والدخول إليه …… وفي جميع الأحوال ،
مع التأكيد على أهمية معرفة معناها ، ومن الكتب القيمة في هذا : كتاب “الفتوحات
الربانية بشرح الأذكار النووية” لابن علان ، فهو كتاب قيم ، نتعلم منه معاني
الأذكار ، وكيف يكون تدبرها ، حتى تحيى القلوب ، وتكون متصلة بعلام الغيوب .

6- سماع المحاضرات والخطب المفيدة

استمري في سماع المحاضرات المفيدة والخطب ، فإن الإنسان ـ دائماً
ـ يحتاج إلى من يذكره ويرشده وينصحه ، ومن خلالها يتعلم الإنسان كثيراً من أحكام
دينه ، ويتعلم كيف يتصرف عند الأزمات .

7- لابد من القراءة والتعلم

لابد أن تتعلمي وتقرأي وتتثقفي في الأمور الشرعية ، فإنه (مَنْ
يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) رواه البخاري ومسلم ، فلابد
من الفقه والفهم ومعرفة الأحكام الشرعية ، وكثير من الأمور التي تتأزم وتتعقد لو
تَعَلَّم الإنسان حكمها أو سأل أهل العلم ، لوجدها سهلة ميسرة لا تعقيد فيها ، فقد
يكون له رخصة لا يعلمها ، أو يكون هناك بديل في الشرع يتيسر به الأمر .

ومن الكتب المفيدة التي ننصح بقراءتها : “فقه السنة” للشيخ سيد
سابق ، “الملخص الفقهي” للشيخ صالح الفوزان ، “عودة الحجاب” للشيخ محمد بن إسماعيل
، كما يمكنك التعلم أيضاً عن طريق المواقع الإسلامية المفيدة .

ولابد أن يكون لك قراءة في التاريخ المعاصر ، لاسيما في بلدك ،
وكيف تمت فيه محاربة الإسلام ؟ وكيف كان مكرهم ؟ فإن معرفة المسلم بذلك تبعث فيه
روح التحدي فيزداد تمسكاً بالإسلام .

8- وأما موضوع الزواج

فهو في غاية الأهمية بلا شك ، والمصالح المترتبة عليه بالنسبة لك
كثيرة وكثيرة ، منها :

‌أ- الاستقرار النفسي ، والسكن والطمأنينة .

‌ب- سيكون سبباً بإذن الله لتخفيف الضغوط الاجتماعية والأسرية
عنك ، حيث ستنتقلين إلى سكن جديد مستقل عن أهلك وجيرانك ومجتمعك الذي يقيدك بقيود
كثيرة لا تستطيعين الخلاص منها .

‌ج- تربية الذرية الصالحة على العفة والأمانة والحياء والتمسك
بهذا الدين والعمل له.

فيستطيع الإنسان أن يفعل مع أولاده ما كان يتمنى أن يفعله معه
أبوه ، وتربية الذرية الصالحة من أهم مقاصد النكاح ، والأمة تنتظر منك ومن أمثالك
ممن يحبون هذا الدين ، ويريدون الالتزام به ، تنتظر منك ذرية صالحة مؤمنة ، ينفع
الله بها الأمة ، ويغير الله بها الأوضاع إلى الأحسن .

وهناك مصالح أخرى كثيرة تحصلينها من وراء الزواج ، ولذلك فنحن
نؤكد عليك في هذا الأمر ، ونظراًَ للظروف التي تعانين منها ، فالنصيحة التي لا بد
لك منها : إن جاءك من ترضين دينه وخلقه فلا تتأخري في قبوله ، فإن لم يكن فارضي بـ
(نصف متدين) ، إذا لم نستطع الكمال فلنرض بأحسن الموجود – وإن لم يكن كاملاً ، وهذه
نصيحة خاصة بك نظراً لظروفك الخاصة .

لا نعني بذلك أن ترضي بفاسق أو شارب للخمر ، كلا ، بل المراد أنه
مستقيم في الجملة ، محافظ على الصلاة ، محب للدين عموماً ، صاحب خلق ومروءة ، وغيرة
على الأعراض ، وإن كان عنده بعض المعاصي الأخرى .

ويمكنك أن تأخذي بيده إلى الأحسن ، بشخصيتك وقوة إقناعك وحكمتك
في التعامل معه ، كل هذا بعد توفيق الله تعالى لك وله .

ونحن لا نوافقك على أن دخولك مواقع الإنترنت هو آخر أمل لك ، بل
الآمال لا تنقطع ، والمسلم دائما يرجو وينتظر الخير من ربه ، ويحسن الظن بربه
القائل في الحديث القدسي : (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) رواه البخاري
ومسلم .

9- وأما مشكلة الحجاب وعدم استطاعتك لبسه

فنكرر مرة أخرى أننا نقدر مدى الحرب الضروس التي تواجهينها في
بلدكم من أجل الحجاب ، ولذلك نرى أنه لا مانع ـ نظراً لظروفك الخاصة ـ أن تتدرجي
إلى الحجاب شيئاً فشيئاً ، فما لا يقبله الآباء أو المجتمع اليوم ، قد يقبله
بالتدرج بعد شهر أو شهرين أو سنة .

فعليك أن تلبسي ثياباً محتشمة بقدر الإمكان ، وتحاولي جاهدة
تغطية الرأس ، ولبس ملابس واسعة شيئاً فشيئاً ، حتى إذا اعتاد منك الناس الاحتشام
يمكنك أن تنتقلي خطوة أخرى إلى الأمام حتى تصلي إلى الحجاب الكامل الذي فرضه الله
على نساء المؤمنين ، والذي تريدينه أنت ، واستمتعت به في بلاد الحرمين فترة وجودك
بها .

لكن لا تتعجلي ، شيئاً فشيئاً تبلغين ما تريدين بإذن الله .

وهذه الطريقة ليست هي الطريقة المثلى التي ينبغي أن يكون عليها
المسلم ، ولكنها تكون مقبولة عند الضرورة ، وعند ظروف خاصة مثل التي تمرين بها ،
فتحصيل بعض الشيء أحسن من لا شيء ، والوصول إلى الكمال شيئا فشيئا خير من خسارة كل
شيء .

10- وأما الصلاة

فهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين ، وهي صلة بين العبد وربه
، فلذلك ينبغي أن يكون اهتمامك بها أشد ، ولابد من المحافظة على أداء الصلاة في
وقتها ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) أي لها
وقت محدد . النساء/10 .

ولا نظن أن هناك مشكلة بالنسبة لصلاتي الفجر والعشاء ، وكذلك
أيضاً صلاة المغرب في فصل الصيف ، حيث سيدخل وقتها بعد خروجك من العمل بساعة أو
ساعتين .

وعلى هذا ، فهذه الصلوات لا عذر في تأخيرها عن وقتها ، فاحرصي كل
الحرص على صلاتها في الوقت المحدد لها شرعاً .

وأما صلاة الظهر والعصر ، وكذلك صلاة المغرب في فصل
الشتاء .

والأصل – كما سبق – أنك تصلين كل صلاة في وقتها ، فتحيني وقتاً
يكون مكان الوضوء فيه خالياً من الرجال ، فإن لم يمكن ، فلا مانع من دخول “الخلاء”
(مكان قضاء الحاجة) والوضوء بداخله ، فإن الوضوء فيه صحيح ، والغالب أن أرضيته –
حتى وإن كانت مبتلة – تكون طاهرة ، ويكون الماء الذي عليها طاهراً ، فليس هناك
محذور من الوضوء بداخله .

والواجب على المرأة عند الصلاة أن تستر جميع بدنها إلا الوجه
والكفين ، فإن كنت لا تستطيعين في الوقت الحالي أن تكون ثيابك هكذا ، فاحتفظي بحجاب
أو ثياب خاصة للصلاة في مكتبك تلبسينها وقت الصلاة .

وليس للصلاة مكان خاص لا تؤدى إلا فيه ، بل تؤدى الصلاة في أي
مكان ، فيمكنك انتهاز فرصة وجودك في مكتبك بمفردك فتصلين .

فإن ضاق الأمر ولم تستطيعي أن تصلي كل صلاة في وقتها ، فنرجو أن
يكون لك رخصة في الجمع بين صلاتي الظهر والعصر ، فتؤخرين الظهر إلى وقت العصر
وتصلينهما معاً ، ولكن بشرط أن يكون ذلك قبل خروج وقت العصر ، فيكون ذلك قبل غروب
الشمس بنحو نصف ساعة أو ساعة إلا ربع ، فإن لم يمكن فلك رخصة إلى غروب الشمس ، وليس
هناك عذر لتأخير صلاة العصر إلى ما بعد غروب الشمس .

وأما صلاة المغرب في فصل الشتاء ، فإن أمكنك فعلها في العمل فهذا
هو الواجب ، فإن لم يمكن فلك تأخيرها وجمعها مع صلاة العشاء جمع تأخير ، أي في وقت
صلاة العشاء ، فتصلين المغرب والعشاء معاً إذا رجعت إلى بيتك .

واعلمي أنك بذلك لا تكونين أخرت الصلاة عن وقتها ، فإن الجمع بين
صلاتي الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، جائز للحاجة ، ودفعاً للمشقة ، سواء
كان ذلك في الحضر أم في السفر ، بخلاف قصر الصلاة ، فإنه لا يجوز إلا في السفر .

لكن عليك أولاً أن تبذلي جهدك لفعل كل صلاة في وقتها ، والمسلم
لا تعوزه الحيلة ، وقد كان بعض العسكريين الكبار لا يستطيع الاستئذان للصلاة ، حتى
لا يتهم بالأصولية أو الإرهاب ، ويوضع تحت المراقبة ، فكان يستأذن لدخول “الحمام”
ثم يتوضأ ويذهب للصلاة ، ثم يعود .

فلا نظن بك العجز عن التحايل وإيجاد فرصة لتصلي كل صلاة في وقتها
، فإن لم يمكن فتجمعين بين الظهر والعصر كما سبق .

ونلفت نظرك في النهاية إلى أن كثيراً من المشاكل التي تتعرضين
لها في العمل ، من تأخير الصلاة أو عدم قدرتك على لبس الحجاب ، هي بسبب العمل في
مكان مختلط بالرجال .

وعمل المرأة في مكان مختلط مع الرجال بلا ضوابط شرعية يؤدي إلى
مفاسد كبيرة جدا ، لا تخفى عليك ، ولذلك كان من حكمة الشرع أن حرم هذا ، فإن استطعت
الانتقال إلى قسم آخر ، أو عمل آخر ، بعيدا عن الرجال ، فإن هذا سيحل لك قدرا كبيرا
من مشاكلك في العمل ، أو تختارين ترك العمل رأساً ، إلا إذا كان عليك ضغوط من أهلك
في الاستمرار في هذا العمل ، فنرجو أن يكون لك رخصة في الاستمرار فيه ، مع محاولتك
اتقاء مفاسده بقدر الإمكان .

ونسأل الله تعالى أن يثبتك ، ويوفقك لكل خير ، ويصرف عنك السوء ،
ويرزقك الذرية الصالحة .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

والله أعلم .