السؤال :
جاء في القرآن قوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ، وجاء عند أحمد أن المقدام بن معد يكرب الكندي قال : إنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (ما ملأ بن آدم وعاءً شراً من بطنه ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن بها صلبه ، فإن كان ولا بد فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه) رواه النسائي والترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
سؤالي : هل يُفهم من هذا أنه من الأفضل للشخص أن لا يأكل إلا وجبة واحدة خلال اليوم؟
وأنه إذا أكل أكثر من ذلك ، فإنه يُعتبر مسرفاً مبغضا عند الله ؟
وماذا عن أيام الصيام؟ هل نأكل فقط في السحور ، ونكتفي فقط بثلاث تمرات وقت الإفطار؟
فبالنسبة لي شخصياً ، فإني أقتصر على شرب الحليب مخلوطاً بالعسل على الإفطار ، وعلى الغداء قطعة من اللحم ، ثم قطعة من الفواكه قبل النوم ، فهل يعتبر هذا إسرافاً يبغض الله من أجله؟ أرجو التوضيح والإرشاد .

 

الجواب :

الحمد لله

أولا :

الإسراف مذموم في الأكل وغيره . قال تعالى :
(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
الأعراف/31 ، وقال تعالى : (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
الأنعام/141 ، وقال سبحانه : (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ
وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) الإسراء/29 ،
وقال : (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا
تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) الإسراء/26 ، 27 .

والفرق بين الإسراف والتبذير : “أن السرف صرف الشيء
فيما ينبغي زائدا على ما ينبغي . والتبذير صرفه فيما لا ينبغي” قاله المناوي في
“فيض القدير” (1/50) .

ثانيا :

الإسراف هو مجاوزة الحد ، ويكون ذلك بالأكل فوق
الشبع ، وهذا لا يتحدد بوجبة أو وجبتين أو ثلاثة ، فقد يأكل الإنسان وجبة واحدة في
اليوم ويسرف فيها . وقد يأكل ثلاث وجبات بغير إسراف .

وحديث المقداد فيه الحث على التقليل من الطعام
والاكتفاء بما يقيم الصلب ، وليس فيه تعرض لعدد الوجبات ، فقد يأكل هذه اللقيمات
ثلاث مرات في فطوره وغدائه وعشائه ، ويكون مقتصدا مقلا ، فإن أراد أن يتجاوز
اللقيمات – في وجبته – فليجعل ثلثا لطعامه ، وثلثا لشرابه ، وثلثا لنفَسه ، فإن
احتاج إلى وجبة أخرى – كما هو غالب حال الناس – فلا حرج في ذلك ، ويراعي فيها ما
سبق أيضا ، وهكذا لو احتاج إلى ثلاث وجبات أو أربع ، وعدد الوجبات يختلف باختلاف
الشخص ، ونوع الطعام ، وطبيعة المجهود الذي يبذله .

والمقصود هو حفظ البدن ، وعدم الإضرار به ، سواء
بالشبع أو بالجوع .

والمقصود أيضا : التقوي على الطاعة ، وهذا يحصل
بالأكل المعتدل ، لا بالتخمة المُثقلة ، ولا بالجوع المنهك .

قال القرطبي رحمه الله في تفسير آية آل عمران :
“قوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) قال ابن عباس : أحل الله في
هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة . فأما ما تدعو الحاجة إليه ، وهو
ما سد الجوعة وسكن الظمأ ، فمندوب إليه عقلا وشرعا ، لما فيه من حفظ النفس وحراسة
الحواس ، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال ، لأنه يضعف الجسد ويميت النفس ، ويضعف
عن العبادة ، وذلك يمنع منه الشرع وتدفعه العقل . وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ
من بر ولا نصيب من زهد ، لأن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا
وأعظم أجرا.

وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين :
فقيل حرام ، وقيل مكروه . قال ابن العربي : وهو الصحيح ، فإنّ قدر الشبع يختلف
باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان. ثم قيل : في قلة الأكل منافع كثيرة ،
منها أن يكون الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا. وفي كثرة
الأكل كظ المعدة ونتن التخمة ، ويتولد منه الأمراض المختلفة ، فيحتاج من العلاج
أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل. وقال بعض الحكماء : أكبر الدواء تقدير الغذاء ”
انتهى من “تفسير القرطبي” (7/ 191).

وفي الموسوعة الفقهية (25/ 332) : “من آداب الأكل :
الاعتدال في الطعام ، وعدم ملء البطن ، وأكثر ما يسوغ في ذلك أن يجعل المسلم بطنه
أثلاثا : ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس ؛ لحديث : (ما ملأ آدمي وعاء شرا من
بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة ، فثلث لطعامه ، وثلث
لشرابه ، وثلث لنفسه) . ولاعتدال الجسد وخفته ؛ لأنه يترتب على الشبع ثقل البدن ،
وهو يورث الكسل عن العبادة والعمل . ويُعرف الثلث بالاقتصار على ثلث ما كان يشبع به
. وقيل : يعرف بالاقتصار على نصف المد ، واستظهر النفراوي الأول لاختلاف الناس .
وهذا كله في حق من لا يضعفه قلة الشبع ، وإلا فالأفضل في حقه استعمال ما يحصل له به
النشاط للعبادة ، واعتدال البدن .
وفي الفتاوى الهندية : الأكل على مراتب :

فرض : وهو ما يندفع به الهلاك ، فإن ترك الأكل
والشرب حتى هلك فقد عصى .
ومأجور عليه ، وهو ما زاد عليه ليتمكن من الصلاة قائما ، ويسهل عليه الصوم .
ومباح ، وهو ما زاد على ذلك إلى الشبع لتزداد قوة البدن ولا أجر فيه ولا وزر ويحاسب
عليه حسابا يسيرا إن كان من حل .
وحرام ، وهو الأكل فوق الشبع إلا إذا قصد به التقوي على صوم الغد ، أو لئلا يستحي
الضيف فلا بأس بأكله فوق الشبع .
وقال ابن الحاج : الأكل في نفسه على مراتب : واجب ، ومندوب ، ومباح ، ومكروه .
ومحرم . فالواجب : ما يقيم به صلبه لأداء فرض ربه ؛ لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا
به فهو واجب .
والمندوب : ما يعينه على تحصيل النوافل وعلى تعلم العلم وغير ذلك من الطاعات .
والمباح : الشبع الشرعي . والمكروه : ما زاد على الشبع قليلا ولم يتضرر به ،
والمحرم : البطنة . وهو الأكل الكثير المضر للبدن .
وقال النووي : يكره أن يأكل من الطعام الحلال فوق شبعه .
وقال الحنابلة : يجوز أكله كثيرا بحيث لا يؤذيه ، وفي الغنية : يكره مع خوف تخمة .
ونُقل عن ابن تيمية كراهة الأكل المؤدي إلى التخمة كما نقل عنه تحريمه ” انتهى .

ثالثا :

تبين مما سبق أنه لا حرج في تناول أكثر من وجبة
طعام في اليوم ، وأن ذلك بمجرده لا يعد إسرافا ، بل الإسراف أن يأكل فوق الشبع ولو
في وجبة واحدة .

ومما يدل على جواز الوصول إلى حد الشبع ، وأن
المكروه أو المحرم ما جاوزه : ما روى البخاري (5381) ومسلم (2040) عن أَنَسَ بْنَ
مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ :
لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ وفيه قصة تكثير
الطعام بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وقوله : (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ
لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ
لِعَشَرَةٍ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ
قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، ثُمَّ
خَرَجُوا ، ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا ،
وَالْقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلًا) .

وقد بوب عليه البخاري في صحيحه : باب من أكل حتى
شبع .

وأورد فيه أيضا قول عَائِشَةَ رضى الله عنها :
(تُوُفِّىَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَبِعْنَا مِنَ
الأَسْوَدَيْنِ : التَّمْرِ وَالْمَاءِ) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ”  قَالَ اِبْن
بَطَّالٍ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز الشِّبَع وَأَنَّ تَرْكه أَحْيَانَا
أَفْضَل … قَالَ الطَّبَرِيُّ : غَيْر أَنَّ الشِّبَع وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا
فَإِنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ , وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ سَرَف ;
وَالْمُطْلَق مِنْهُ مَا أَعَانَ الْآكِل عَلَى طَاعَة رَبّه وَلَمْ يَشْغَلهُ
ثِقَله عَنْ أَدَاء مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ا هـ … قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي
الْمُفْهِم لِمَا ذَكَرَ قِصَّة أَبِي الْهَيْثَم إِذْ ذَبَحَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِصَاحِبَيْهِ الشَّاة فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا :
وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الشِّبَع , وَمَا جَاءَ مِنْ النَّهْي عَنْهُ مَحْمُول
عَلَى الشِّبَع الَّذِي يُثْقِل الْمَعِدَة وَيُثَبِّط صَاحِبه عَنْ الْقِيَام
لِلْعِبَادَةِ وَيُفْضِي إِلَى الْبَطَر وَالْأَشَرّ وَالنَّوْم وَالْكَسَل ,
وَقَدْ تَنْتَهِي كَرَاهَته إِلَى التَّحْرِيم بِحَسَبِ مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ
مِنْ الْمَفْسَدَة ” انتهى من “فتح الباري”.

رابعا :

ما ذكرته عن صفة فطورك وغدائك وعشائك لا يعد إسرافا
.

والله أعلم .