تزوجنا مند 3 سنوات ونصف ، هو طيب جدّاً ، متدين جدّاً ، ونعبد الله معا ما استطعنا ، والحمد لله ، المشكلة بدأت معي من أول الزواج , كان لابد له أثناء الجماع أن يحكي لي قصصا جنسية ، وأنا أتخيل ؛ لأني لم أكن أستطيع أن أقضي وطري بدونها ، وحتى أشبع لابد أن أتخيل ، المشكلة عندي للآن ، وأحس بتأنيب ضمير بعد كل جماع ، تلاحقني التخيلات وأنا معه حتى أنتهي – لا أتخيلني مع شخص آخر أبداً أبداً , فقط أناس لا أعرفهم – أخبرته بهذه المشكلة ، ولم يغضب , لكن أنا أحس بنوع من الخيانة , ماذا أفعل ؟ أفيدوني أرجوكم ، وما حكم الشرع ؟.
الحمد لله
أولاً :
التخيلات الجنسية جزء من الخواطر التي تطرأ على ذهن الإنسان بسبب
ما يستدعيه العقل الباطن من صورٍ مختزنةٍ أوحتها له البيئة التي يعيش فيها ،
والمناظر التي يراها ، وهي تخيلات تصيب أغلب الناس ، وخاصة فئة الشباب ، لكنها
تختلف من شخص لآخر من حيث النوع والإلحاح والتأثير .
والشريعة الإسلامية شريعة الفطرة ، جاءت منسجمةً مع الطبيعة
البشرية ، وملائمةً للتقلبات النفسية التي جعلها الله سبحانه وتعالى جزءا من
التكوين البشري ، فلم تتعد حدود الممكن ، ولم تكلِّف بما لا يطاق .
يقول الله سبحانه وتعالى : ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً
إِلاَّ وُُسْعَهَا ) البقرة/286 ، وعن أبي هريرة رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا
حَدَّثَتْ بِهِ أَنفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعمَلُوا بِهِ )
رواه البخاري ( 2528 ) ومسلم ( 127 ) .
قال النووي – رحمه الله – في شرح هذا الحديث :
وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه : فمعفو عنه باتفاق
العلماء ؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه ، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه .
” الأذكار ” ( ص 345 ) .
والتخيلات العارضة تدخل في دائرة حديث النفس المعفو عنها بنص
الحديث السابق ، فكل من تصورت في ذهنه خيالات محرمة ، طرأت ولم يطلبها ، أو حضرت
قَسرًا ولم يَستَدْعِهَا : فلا حرج عليه ، ولا إثم ، وإنما عليه مدافعتها بما
يستطيع .
ثانياً :
وأما إذا كان الشخص يتكلف التخيلات المحرمة ، ويستدعيها في ذهنه
، فقد اختلف كلام الفقهاء في تكييف هذه الحالة ، وهل هي داخلة في دائرة العفو أو في
دائرة الهم والعزم المؤاخذ به ؟
والمسألة يذكرها الفقهاء بالتصوير التالي :
لو أن رجلا وطئ حليلتَه متفكِّرا في محاسن أجنبيَّةٍ ، حتى
خُيِّلَ إليه أنَّه يطؤُها ، فهل يحرم ذلك التفكر والتخيُّل ؟ اختلفت في ذلك أقوال
الفقهاء :
القول الأول : التحريم ، وتأثيم من يستحضر بإرادته صُوَرًا
محرَّمَةً ويتخيلها حليلته التي يجامعها .
قال ابن عابدين الحنفي – رحمه الله – :
والْأَقْرَب لقَوَاعِد مَذهَبِنَا عَدمُ الحِلِّ ، لأَنَّ
تَصَوُّرَ تلك الأَجنبِيَّةِ بَينَ يَدَيْهِ يَطَؤُهَا فيهِ تَصويرُ مُبَاشَرةِ
المَعصِيَةِ عَلى هَيئَتِهَا .
” حاشية رد المحتار ” ( 6 / 272 ) .
وقال الإمام محمد العبدري المعروف بابن الحاج المالكي – رحمه
الله – :
ويتعين عليه أن يتحفظ في نفسه بالفعل ، وفي غيره بالقول ، من هذه
الخصلة القبيحة التي عمَّت بها البلوى في الغالب ، وهي أن الرجل إذا رأى امرأةً
أعجبته وأتى أهله جعل بين عينيه تلك المرأة التي رآها .
وهذا نوع من الزنا ؛ لما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن أخذ
كُوزا يشرب منه الماء ، فصوَّرَ بين عينيه أنه خمر يشربه ، أن ذلك الماء يصير عليه
حراما .
وما ذُكر لا يختص بالرجل وحده ، بل المرأة داخلة فيه ، بل هي أشد
؛ لأن الغالب عليها في هذا الزمان الخروج أو النظر من الطاق ، فإذا رأت من يعجبها
تعلق بخاطرها ، فإذا كانت عند الاجتماع بزوجها جعلت تلك الصورة التي رأتها بين
عينيها ، فيكون كل واحد منهما في معنى الزاني ، نسأل الله السلامة منه .
ولا يقتصر على اجتناب ذلك ليس إلا ، بل ينبه عليه أهله وغيرهم ،
ويخبرهم بأن ذلك حرام لا يجوز .
” المدخل ” ( 2 / 194 ، 195 ) .
وقال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله – :
ذكر ابن عقيل وجزم به في ” الرعاية الكبرى ” : أنه لو استحضر عند
جماع زوجته صورةَ أجنبيَّةٍ محرَّمَةٍ أنَّه يأثم ، …أما الفكرة الغالبة فلا إثم
فيها .
” الآداب الشرعية ” ( 1 / 98 ) .
ودليل هذا القول : ما يرجحه طائفة من أهل العلم من أن خواطر
النفس إذا أصبحت عزيمة وإرادة دخلت في دائرة التكليف ، والتخيلات المحرمة التي
يجلبها الذهن بإرادته انتقلت من دائرة العفو ؛ لأنها أصبحت هَمًّا وعزيمة يحاسب
عليها المرء .
قال النووي – رحمه الله – :
وسبب العفو ( عن حديث النفس ) ما ذكرناه من تعذر اجتنابه ، وإنما
الممكن اجتناب الاستمرار عليه ، فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراما .
” الأذكار ” ( 345 ) .
القول الثاني : الجواز ، وأنه لا حرج على من فعل ذلك : وهو قول
جمع من متأخري الشافعية : منهم السبكي والسيوطي .
قالوا : لأن التخيلات ليس فيها هم ولا عزم على معصية ، إذ قد
يتخيل في ذهنه أنه يباشر تلك المرأة الأجنبية وهو مع ذلك ليس في قلبه عزم على فعله
والسعي إليه ، بل قد يرده لو عرض عليه .
جاء في ” تحفة المحتاج في شرح المنهاج ” ( 7 / 205 ، 206) – وهو
من كتب الشافعية – :
” لأنه لم يخطر له عند ذلك التفكر والتخيل فعل زنا ولا مقدمة له
، فضلا عن العزم عليه ، وإنما الواقع منه تصور قبيح بصورة حسن ” انتهى
.
وانظر ” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 4 / 87 ) .
والذي يبدو أن الراجح القول بكراهة ذلك التخيل إن لم نقل
بالتحريم ، وذلك للأسباب التالية :
1. أن كثيراً من المتخصصين النفسيين يعدون التخيلات الجنسية
اضطرابا نفسيا إذا سيطرت على عقل الإنسان بحيث تفقده كل لذة تأتي من غير طريق تلك
التخيلات ، وذلك قد يفضي إلى تخيلات جنسية غير سوية .
2. أن الشريعة الإسلامية جاءت بقاعدة سد الذرائع ، ومنع كل باب
يفضي إلى الشر ، وإفضاءُ التخيلات الجنسية إلى الوقوع في المحرمات أمر متوقع ، فإن
مَن أَكثَرَ مِن تصور شيء وتمنيه لا بد وأن تحفزه نفسه إلى الحصول عليه ، والسعي
إلى الاستكثار منه ، فيبدأ بالتطلع إلى الصور المحرمة ، وتعتاد عيناه على مشاهدة
المحرمات ، سعيا لتحقيق الشبع الذي أصبح مرتبطا بتلك التخيلات .
3. أن غالب تلك التخيلات إنما تجتمع في الذهن بالأسباب المحرمة ،
عن طريق فضائيات الرذيلة ، ومشاهدات الواقع المتحلل من كل خلق في بلاد الكفار ، حيث
ينعدم الحياء وتصبح مناظر ممارسة الجنس مألوفة معتادة .
4. وأخيراً قد تفضي كثرة تلك التخيلات إلى زهد الزوجين ببعضهما ،
فلا تعود الزوجة محل نظر الزوج ، كما لا يعود الزوج محل إقبال الزوجة ، وتبدأ حينئذ
رحلة المعاناة والمشاكل الزوجية .
ولذلك كله ، فالنصيحة لكل من ابتلي بمثل تلك التخيلات أن يسارع
إلى إيقافها والتخلص منها ، ويمكنه الاستعانة بالوسائل التالية :
1. الابتعاد التام عن كل ما يثير تلك التخيلات من الأفلام
والمشاهد المحرمة التي تعرضها الفضائيات ، والابتعاد عن قراءة القصص التي كانت
السبب في تولد تلك التخيلات ، وقد سبق في موقعنا الحديث عن حرمة قراءة تلك القصص
الجنسية ، فانظري جواب السؤال رقم ( 34489
) .
قال الغزالي في ” إحياء علوم الدين ” ( 1 / 162 ) :
” وعلاج دفع الخواطر الشاغلة : قطع موادها ، أعني النزوع عن تلك
الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها ، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر
” انتهى .
2. المحافظة على الأذكار الشرعية ، وخاصة تلك التي تقال قبل
الجماع ( الَّلهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ ، وَجَنِّبِ الشَّيطَانَ مَا
رَزَقتَنَا ) رواه البخاري ( 141 ) ومسلم ( 1434 ) .
3. الانشغال باللذة الحاضرة عن اللذة الغائبة ، فإن في كل من
الزوجين ما يغني الآخر عن التطلع إلى الحرام ، فإذا انشغل الزوجان بمحاسن بعضهما
واستغرقا في ذلك لم تنصرف الخيالات إلى شيء آخر .
4. تصوري لو كان خيال زوجك يجول في مثل ما تجولين فيه ، هل
ستكونين راضية عن ذلك ؟ ألن يشعرك ذلك بعدم الرضا ؟ فكيف ترضين أنت أن تصيبي زوجك
بمثل هذا الشعور ، فاحرصي على استغلال هذه الفكرة للتخلص مما تجدين .
5. استشارة المختصين النفسيين ، فلا حرج عليك أن تراجعي الطبيبة
النفسية أو الأسرية وتطلبي نصيحتها في حالك ، وستجدين عندها ما يساعدك إن شاء الله
تعالى .
وأسأل الله لك ولزوجك التوفيق والسعادة .
والله أعلم .
