السؤال:
دعاء لأحد المشايخ المشهورين ، انتشر في الآونة الأخيرة ، وللأسف سمعته مؤخرا في بداية إحدى الحفلات الغنائية مصحوبا بموسيقى ، والمهم هو هل معنى هذا الدعاء يستقيم أم لا ؟ الدعاء هو : اللهم إنك تعلم أني أعصيك ، ولكني أحب من يطيعك ، فاجعل اللهم حبي لِمَن أطاعك ، شفاعةً تُقبل لِمَن عصاك .


الجواب :

الحمد لله

لا
يبدو أن في هذا الدعاء حرجا ، ولا يظهر في معناه محذور ، إن شاء الله ، فمحبة
المؤمنين والصالحين من العبادات التي يتعبد بها المسلم لله رب العالمين ، وقد قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ : الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ ) رواه أحمد في ” المسند ”
(35/229) عن أبي ذر رضي الله عنه ، وحسنه لغيره المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة.

فإذا تقرب العبد المسلم إلى الله بحبه للإسلام والمسلمين ، ومودته للصالحين ، فقد
تقرب إلى الله بأمر مشروع ، وإذا قال في دعائه : ( فاجعل اللهم حبي لِمَن أطاعك
شفاعةً تُقبل لِمَن عصاك ) فهذا يعني أنه يتوسل إليه سبحانه بعمل صالح يقرب إليه ،
ويسأل الله أن يجعل حبه للصالحين شفاعة له في مغفرة ذنوبه ، والله سبحانه وتعالى
يقبل شفاعة الأعمال الصالحة لبعض عباده المذنبين .

 

لكن
ينبغي أن ننتبه
إلى أن الأدعية والأوراد التي ينبغي تداولها وحفظها ومراعاتها : هي الأدعية
المأثورة عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ما ورد عن أصحابه الكرام ، وأما ما
يختاره ويدعو به شيخ أو إمام مسجد : فهذا ينبغي التأني في قبوله , ومتابعته عليه
حتى يتم الوقوف على صحة معناه ، واستقامته مع أصول الشرع ، ثم مع ذلك : لا يتخذ
وردا ثابتا ، بل يكون مما يسوغ الدعاء به أحيانا ، دون التزام ولا أمر به .

 

وثم
تنبيه آخر هنا
، وهو أنه من باب الغرور والأماني : أن يعتمد العبد على مجرد ذلك ، ويعجبه من نفسه
أنه يقر بعلم الله أنه عاص ، وأن يتعلق بما ذكره من محبة الطائعين ، وهذا وحده غير
كاف بالمرة ، بل يخشى على صاحبه أن يكون من المغترين ؛ فما بهذا أمر العاصي ؛ إنما
أمر العاصي بالتوبة والإنابة إلى الله ، وأن يفر إلى ربه من المعصية إلى الطاعة .
قال الله تعالى : ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ
مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا
وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا )
النساء/123-124.

قال
الشيخ ابن سعدي رحمه الله :


أي : { لَيْسَ } الأمر والنجاة والتزكية { بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ
الْكِتَابِ } ، والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل ، المقترن بها دعوى مجردة
، لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها. وهذا عامّ في كل أمر ، فكيف بأمر الإيمان
والسعادة الأبدية ؟!

فإن
أماني أهل الكتاب قد أخبر الله بها أنهم قالوا: { لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا
مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } ، وغيرهم ممن ليس ينتسب
لكتاب ولا رسول من باب أولى وأحرى .

وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام ، لكمال العدل والإنصاف ، فإن مجرد
الانتساب إلى أي دين كان ، لا يفيد شيئا إن لم يأت الإنسان ببرهان على صحة دعواه ،
فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها . ولهذا قال تعالى : { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ
بِهِ } ، وهذا شامل لجميع العاملين ، لأن السوء شامل لأي ذنب كان من صغائر الذنوب
وكبائرها ، وشامل أيضا لكل جزاء ، قليل أو كثير ، دنيوي أو أخروي .

والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا الله ، فمستقل ومستكثر ؛ فمن كان عمله
كله سوءا ، وذلك لا يكون إلا كافرا ، فإذا مات من دون توبة جوزي بالخلود في العذاب
الأليم .

ومن
كان عمله صالحا ، وهو مستقيم في غالب أحواله ، وإنما يصدر منه بعض الأحيان بعض
الذنوب الصغار ، فما يصيبه من الهم والغم والأذى وبعض الآلام في بدنه أو قلبه أو
حبيبه أو ماله ونحو ذلك : فإنها مكفرات للذنوب ، وهي مما يجزى به على عمله ، قيضها
الله لطفا بعباده ، وبين هذين الحالين مراتب كثيرة .

وهذا الجزاء على عمل السوء العام مخصوص في غير التائبين ، فإن التائب من الذنب كمن
لا ذنب له ، كما دلت على ذلك النصوص …

{
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ } دخل في ذلك سائر الأعمال القلبية والبدنية ،
ودخل أيضا كل عامل من إنس أو جن ، صغير أو كبير ، ذكر أو أنثى . ولهذا قال : { مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ } ، وهذا شرط لجميع الأعمال ، لا تكون صالحة
ولا تقبل ، ولا يترتب عليها الثواب ، ولا يندفع بها العقاب ، إلا بالإيمان ” انتهى
.

“تفسير السعدي” (205) .

 

والله أعلم .