السؤال :
هناك مسجد بجوار عملي أصلي فيه مع الجماعة ، وهو مسجد كبير ويتسع لحوالي ألف مصلى ، ولكني لاحظت أن هناك مجموعة من الرجال يصفون صفا في نهاية المسجد ويتركون مسافة كبيرة جدا بينهم وبين الصفوف المتراصة خلف الإمام ، وهذه المسافة قد تكفي لعشرة صفوف في بعض الصلوات ، وبعد ذلك صرت أصلي في مسجد آخر خوفا من أن تبطل صلاتي ، ونريد من فضيلتكم توضيح الحكم في فعل هؤلاء المصلين ، وحكم صلاة الجماعة في ذلك المسجد ، والنصح لي بكيفية تغيير هذا الوضع إن كان مخالفا؟ مع العلم أني كلمت الإمام المسؤول عن المسجد وقال لي : ( لا فائدة من نصحهم فقد نصحناهم عدة مرات ) .

الجواب :

الحمد لله

السنة للمصلين أن يتراصوا ويقاربوا الصفوف .

روى
أبو داود (667) والنسائي (815) عن أنس رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ ، وَقَارِبُوا
بَيْنَهَا ، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ ) صححه الألباني في “صحيح أبي داود” .

قال
السندي رحمه الله :


قَوْله (رَاصُّوا صُفُوفكُمْ) بِانْضِمَامِ بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض عَلَى السَّوَاء
(وَقَارِبُوا بَيْنَهَا) أَيْ : اِجْعَلُوا مَا بَيْن صَفَّيْنِ مِنْ الْفَصْل
قَلِيلًا ، بِحَيْثُ يَقْرَب بَعْض الصُّفُوف إِلَى بَعْض” انتهى .

وقال المناوي رحمه الله :

“(وقاربوا بينها) بحيث لا يسع بين كل صفين صف آخر حتى لا يقدر الشيطان أن يمر بين
أيديكم” انتهى .

“فيض القدير” (4 / 7) .

والأفضل للمسلمين عموماً ـ في الصلاة وغيرها ـ أنهم إذا اجتمعوا أن يتقاربوا
بأبدانهم ، حتى يكون ذلك سبباً لحصول الألفة والمحبة بينهم وتقويتها . 

فعن
أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ رضي الله عنه قَالَ : كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا
مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ
وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ) فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ
ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، حَتَّى يُقَالَ لَوْ
بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ . رواه أبو داود (2628) وصححه الألباني في
“صحيح أبي داود” .

فما
يفعله هؤلاء من تركهم الصفوف الأولى ، وصلاتهم في آخر المسجد : مخالف للسنة ، وسبب
من أسباب حصول النزاع والتفرق بين أهل المسجد .

وأما صحة الصلاة فصلاتهم صحيحة ، ما داموا يصلون داخل المسجد ، ويقفون صفاً ، ولا
يقف أحدهم منفرداً خلف الصفوف .

فقد
سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

ما
حكم الصلاة التي نصليها في فناء المسجد ؟ علما بأن الفناء في المسجد تابع له ؟

فأجاب :

“الصلاة في فناء المسجد إن كان جميع المصلين صلوا فيه فلا إشكال في جوازها ، وأما
إذا كان المصلون يصلون في داخل المسقوف وهؤلاء صاروا في خارج فيقال : خالفتم السنة
؛ لأن السنة أن تتقارب الصفوف بعضها من بعض ، وأن لا يصلوا في مكان والإمام يصلي في
مكان آخر ، لكن صلاتهم على كل تقدير صحيحة” انتهى .

“فتاوى نور على الدرب” (192/10) .

وصلاة الجماعة في هذا المسجد صحيحة ، وينبغي لكم ولإمام المسجد أن تستمروا في نصح
هؤلاء وحثهم على اتباع السنة .

والله أعلم .