إذا قال الزوج لزوجته : أنت طالق ، ولم يكن يريد الطلاق ، ولكنه يمزح معها ، هل يقع الطلاق ؟.

الحمد لله

اختلف العلماء في وقوع ” طلاق الهازل ” فذهب الجمهور إلى وقوعه ،
واستدلوا بما رواه أَبِو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ‏‏قَالَ ‏: ‏قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏: ( ‏ ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ
وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ : النِّكَاحُ ، وَالطَّلاقُ ، وَالرَّجْعَةُ ) رواه أبو
داود ( 2194 ) والترمذي ( 1184 ) وابن ماجه ( 2039 ) واختلف العلماء
في تصحيحه وتضعيفه ، وقد حسنه الألباني في “رواء الغليل” (1826) .

وقد ورد معناه موقوفاً على بعض الصحابة :

فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ( أربع جائزات إذا تكلم
بهن : الطلاق ، والعتاق ، والنكاح ، والنذر ) .

وعن علي رضي الله عنه : ( ثلاث لا لعِب فيهن : الطلاق ، والعتاق
، والنكاح ) .

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ( ثلاث اللعب فيهن كالجد :
الطلاق ، والنكاح ، والعتق ) .

قال ابن القيم رحمه الله ، بعد أن ذكر الحديث المتقدم :

” تضمنت هذه السنن : أن المكلف إذا هزل بالطلاق أو النكاح أو
الرجعة : لزمه ما هزَل به ، فدلَّ ذلك أن كلام الهازل معتبر وإن لم يُعتبر كلام
النائم والناسي ، وزائل العقل والمكرَه .

والفرقُ بينهما : أن الهازل قاصدٌ للفظ غير مريد لحكمه ، وذلك
ليس إليه ، فإنما إلى المكلف الأسباب ، وأما ترتب مسبَّبَاتها وأحكامها : فهو إلى
الشارع ، قَصَدَه المكلف أو لم يقصده ، والعبرة بقصده السبب اختياراً في حال عقله
وتكليفه ، فإذا قصده : رتَّب الشارع عليه حكمه جدَّ به أو هزل ، وهذا بخلاف النائم
والمبرسم [ وهو الذي يهذي لعلة في عقله ] والمجنون وزائل العقل ، فإنهم ليس لهم قصد
صحيح ، وليسوا مكلفين ، فألفاظهم لغو بمنزلة الطفل الذي لا يعقل معناها ، ولا يقصده
.

وسر المسألة : الفرق بين من قصد اللفظ وهو عالم به ولم يُرد حكمه
، وبين من لم يقصد اللفظ ولم يعلم معناه ، فالمراتب التي اعتبرها الشارع أربعة :

إحداها : أن يقصد الحكم ولا يتلفظ به .

الثانية : أن لا يقصد اللفظ ولا حكمه .

الثالثة : أن يقصد اللفظ دون حكمه .

الرابعة : أن يقصد اللفظ والحكم .

فالأوليان : لغو ، والآخرتان : معتبرتان ، هذا الذي استفيد من
مجموع نصوصه وأحكامه ” انتهى .

” زاد المعاد ” ( 5 / 204 ، 205 ) .

وقال الشيخ ابن عثيمين في “الشرح الممتع” (10/461) :

” يقع الطلاق من الجاد ومن الهازل , والفرق بينهما أن الجاد :
قصد اللفظ والحكم , والهازل : قصد اللفظ دون الحكم .

فالجاد : طلق زوجته وهو يقصد الطلاق , أما الهازل : فهو قاصد
للفظ غير قاصد للحكم ، فهو يقول مثلاً : كنت أمزح مع زوجتي أو أمزح مع صديقي فقلت :
إن زوجتي طالق أو ما أشبه ذلك . يقول : ما قصدت أنها تطلق ولكني قصدت اللفظ .

نقول : يترتب الحكم عليه ، لأن الصيغة وجدت منك ، والحكم إلى
الله .

ما دام وجد لفظ الطلاق بنية معتبرة من إنسان يعقل ويميز ويدري
ماذا يعني فإنه يقع , فكونه يقول : أنا ما قصدت أن يقع فهذا ليس إليه , بل إلى الله
.

هذا من جهة التعليل والنظر .

أما من جهة الأثر فعندنا حديث أبي هريرة : ( ثلاثٌ جدهن جد
وهزلهن جد : النكاح والطلاق والرجعة ) فهذا دليله من الأثر .

وقال بعض أهل العلم : إنه لا يقع الطلاق من الهازل , وكيف يقع
الطلاق من الهازل وهو ما أراد إلا اللفظ فقط ؟! وشنع بعض العلماء على من قال بوقوع
طلاق الهازل , وقال : أنتم تقولون : إنه هزل فكيف تقولون : يقع , وتعاملونه معاملة
الجد ؟

لكن الرد على هؤلاء أن نقول : إننا ما قلنا إلا ما دل عليه
الدليل , وهذا الحديث صححه بعضهم وحسنه بعضهم , ولا شك أنه حجة . فنحن نأخذ به .

ثم إن النظر يقتضيه ؛ لأننا لو أخذنا بهذا الأمر وفتحنا الباب
لادّعى ذلك كل واحد , وحينئذٍ لا يبقى طلاق على الأرض , فالصواب أنه يقع , سواء كان
جاداً أو هازلاً .

ثم إن قولنا بالوقوع فيه فائدة تربوية , وهي كبح جماح اللاعبين ,
فإذا علم الإنسان الذي يلعب بالطلاق أنه يؤاخذ به فإنه لن يقدم عليه أبداً .

لكن الذي يقول : أنا أمزح فإنه يفتح باباً للناس أن يتخذوا آيات
الله هزواً ” انتهى .

والله أعلم .