الجواب :
الحمد لله
أولا :
تجوز الحركة في الصلاة إذا كانت لمصلحة الصلاة ، وإن كانت كثيرة .
روى البخاري (403) ومسلم (526) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : ” بَيْنَا
النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ : إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ
اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ
فَاسْتَقْبِلُوهَا ، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى
الْكَعْبَةِ ” .
قال ابن عثيمين رحمه الله :
” فيه جواز الحركة لمصلحة الصلاة ” انتهى من “مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين” (12
/354) .
والحركة في الصلاة تنقسم إلى
خمسة أقسام ، وذلك بحسب الدافع إليها ، فإن كان الدافع إليها من الواجبات فالحركة
واجبة ، وإن كان الدافع إليها من المحرمات فالحركة محرمة ، وهكذا .
راجع لبيان ذلك إجابة السؤال رقم (12683)
.
وعلى ذلك : فتحرك الإمام إلى
الأمام باتجاه القبلة ليصل إلى مكبر الصوت ليسمع النساء قراءته وتكبيره : فإن كان
صوته لا يبلغ النساء ، أو كانت هناك مشقة زائدة في إسماع النساء قراءة الإمام ،
ففعله صحيح مشروع ؛ لأنه في مصلحة الصلاة .
وقد روى أبو داود (922) عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ :” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يُصَلِّي وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ ، فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ ، فَمَشَى
فَفَتَحَ لِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ ، وَذَكَرَ أَنَّ الْبَابَ كَانَ فِي
الْقِبْلَةِ ” . حسنه الألباني في “صحيح أبي داود” .
وروى ابن خزيمة (827) عن ابن عباس : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فمرت
شاة بين يديه فساعاها (سابقها) إلى القبلة حتى ألزق بطنه بالقبلة ” .
صححه الألباني في “صفة الصلاة” (ص83) .
وقد صلى ابن عباس رضي الله عنهما مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عن يساره ،
فحوّله النبي صلى الله عليه وسلم فجعله عن يمينه.
رواه البخاري (138) ومسلم (763)
وإن كنّ يسمعن صوته بدون
المكبر ، إلا أنهن يسمعنه بالمكبر بصورة أوضح وأحسن ، فالذي فعله غير مشروع ، وهو
مكروه كراهة شديدة ؛ لأنه فعل كثير يمكن الاستغناء عنه ، وقد يحصل به انشغال
المصلين في الصلاة ، واضطرابهم واختلافهم وتنازعهم في الصلاة وبعد الصلاة .
ثانيا :
حدود الحركة في الصلاة : ضابطها أنه تجوز لمصلحة الصلاة وإن كانت كثيرة ، أما إن
كانت لغير مصلحة الصلاة ، ولغير حاجة داعية إليها ، فإنها تكره إن كانت قليلة ،
وتبطل الصلاة بها إن كانت كثيرة .
قال المرداوي في “الإنصاف” (2/129) :
” ( وَالْعَمَلُ الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ
يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ) اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ
الْكَثِيرِ عَمْدًا , بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ , وَتَبْطُلُ بِهِ أَيْضًا سَهْوًا
, عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ , وَحَكَاهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ إجْمَاعًا
.
ومُرَادُهُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْعَمَلِ الْمُسْتَكْثَرِ : إذَا لَمْ تَكُنْ
حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ ” انتهى .
ثالثا :
السنة للمؤمن أن يقبل على صلاته ويخشع فيها بقلبه وبدنه ، سواء كانت فريضة أو نافلة
، لقول الله سبحانه : ( قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون )
المؤمنون/1-2 .
وأحكام الصلاة لا تختلف في الفرض عنها في النافلة إلا فيما خصه الدليل ، قال ابن
قدامة رحمه الله :
” مَا أَبْطَلَ الْفَرْضَ أَبْطَلَ التَّطَوُّعَ ، كَسَائِرِ مُبْطِلَاتِهِ ” انتهى
من “المغني” (2/ 47) .
إلا أن الحركة في صلاة
النافلة قد تكون لحاجة أكثر منها في الفريضة ؛ وذلك لأن النافلة عادة تكون بالبيت ،
وهذا مما يجعلها عرضة لحصول بعض الطوارئ التي يحتاج معها المصلي فيها إلى الحركة
بخلاف الفرض الذي يكون عادة بالمسجد ، كما تقدم في حديث فتح النبي صلى الله عليه
وسلم الباب لعائشة ، وكما روى ابن حزم في “المحلى” (2/ 126) عَنْ مُعَاذَةَ
الْعَدَوِيَّةِ: ” أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَأْمُرُ
خَادِمَهَا أَنْ تُقَسِّمَ الْمَرَقَةَ ، فَتَمُرُّ بِهَا وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ
فَتُشِيرُ إلَيْهَا: أَنْ زِيدِي ؛ وَتَأْمُرُ بِالشَّيْءِ لِلْمِسْكِينِ تُومِئُ
بِهِ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ ” .
وعنْ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ:” أَنَّهَا قَامَتْ إلَى
الصَّلَاةِ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، فَأَشَارَتْ إلَى الْمِلْحَفَةِ فَنَاوَلْتهَا،
وَكَانَ عِنْدَهَا نِسْوَةٌ فَأَوْمَأَتْ إلَيْهِنَّ بِشَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ
بِيَدِهَا – تَعْنِي وَهِيَ تُصَلِّي” .
رابعا :
نطاق الضرورة للحركة في الصلاة يعرف بمقدار الحاجة إليها ، فإن كانت الحاجة إليها
ضرورية كالحركة لمصلحة الصلاة ، وكالحركة لقتل الحية والعقرب في الصلاة ، وكالحركة
لإنقاذ معصوم من الغرق أو التلف : فلا حرج على المصلي في ذلك ، وقد يؤمر به .
وإذا كانت الحاجة إلى الحركة في الصلاة غير ضرورية كانت الحركة تبعا لها ، وتختلف
باختلاف الداعي إليها ، كما يتبين ذلك بمراجعة السؤال رقم (12683)
.
وعلى كل : فالذي يظهر لنا
أنه لا حرج على الإمام فيما فعله في صلاته ، إن كانت هناك مشكلة في وصول صوته
للنساء ، وكان الواجب على المأمومين متابعته في صلاته ، لا سيما وهم لم يتبين لهم
خطؤه في ذلك على وجه اليقين .
والله أعلم .
