اعتدت أن أكون فرداً من أفراد ” جماعة التبليغ ” ، وقالوا لي أشياء جعلتني في حيرة ، فأعلموني إن كانو على صواب أم لا .
على سبيل المثال : قالوا لي : إني إذا رفعتُ الأذى من الطريق فسوف أنال الحور العين في الجنة ، وكذلك لو قمت بالتصفير فإني أنادي على الشيطان ، بل قالوا لابن أخي إنه إذا لم يرتد غطاء الرأس الإسلامي فسوف يجلس الشيطان على رأسه .
فهل هذه الأشياء صحيحة ؟ .


الجواب :

الحمد لله

أولاً:

قد
سبق لنا الحديث حول هذه الجماعة ، وأشرنا إلى بعض ما لها وما عليها ، فانظر أجوبة
الأسئلة : (

8674
) و (

47431
) و (

14037
) .

ثانياً:

ما
ذكره لك بعض أفراد جماعة التبليغ من

أنك

إذا
رفعتَ الأذى من الطريق فسوف تنال الحور العين في الجنة ” ، قد اعتمدوا فيه
على
حديث غير صحيح ، وهو ما روي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له
: ( يا علي ! أعط الحور العين مهورهن : إماطة الأذى عن الطريق ، وإخراج القمامة من
المسجد ، فذلك مهر الحور العين ) .

رواه الديلمى في ” مسند الفردوس ” ( 5 / 328 ) من غير إسناد ، والكتاب من مظنة
الأحاديث الضعيفة .

وانظر تخريجه في جواب السؤال رقم ( 102757 ) .

ولإماطة الأذى عن الطريق فضائل
تابتة ، تغني عن مثل ذلك :

أ.
فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ
شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا
إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ) .

رواه البخاري ( 9 ) ومسلم ( 35 ) – واللفظ له – .

ب.
وإماطة الأذى عن الطريق موجب لشكر الله تعالى لفاعله ، ولمغفرة ذنوبه :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ : ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى
الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَه ) .

رواه البخاري ( 624 ) ومسلم ( 1914 ) .

ج.
وإماطة الأذى عن الطريق موجب لدخول الجنة :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
( لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ
ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ ) .

رواه مسلم ( 1914 ) .

وفي
رواية :

( مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ
لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ
) .

د.
وإماطة الأذى عن الطريق من العمل النافع :

عن أَبي بَرْزَةَ الأسلمي قَالَ : قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا
أَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ : ( اعْزِلْ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ) .

رواه مسلم ( 1915 ) .

قال النووي – رحمه الله – :

هذه الأحاديث المذكورة في الباب ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق ، سواء كان
الأذى شجرة تؤذي ، أو غصن شوك ، أو حجراً يعثر به ، أو قذراً ، أو جيفة ، وغير ذلك
.

 وإماطة الأذى عن الطريق من ” شُعَب الإيمان ” – كما سبق في الحديث الصحيح – وفيه
التنبيه على فضيلة كل ما نفع المسلمين وأزال عنهم ضرراً .

قوله صلى الله عليه و سلم ( رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق
) أي : يتنعم في الجنة بملاذِّها بسبب قطعه الشجرة .

” شرح مسلم ” ( 16 / 171 ) .

 

ثالثاً:

أما
ما ذكر من أنك ”
لو
قمتَ بالتصفير فإنك تنادي على الشيطان ”

؛ فهذا لا أصل له في كتاب ولا سنَّة .

وفي
التصفير خلاف بين العلماء

فمن قائل بالتحريم ، ومن قائل بالجواز ، والقول الثالث : الكراهة ، وهو ما سبق
اختياره في الموقع ، كما في

جواب السؤال رقم (


115403
) ، فلينظر .

 

رابعاً:

وأما
ما
ذكره

لابن أخيك من ” أنه إذا لم يرتد غطاء الرأس الإسلامي فسوف يجلس الشيطان على رأسه ”
، فقول باطل ، ولا أصل له في الشرع .

وتغطية الرأس ترجع لعرف الناس ، فإن تعارف أهل البلد على أن الرجال يغطون رؤوسهم ،
كان ترك ذلك من خوارم المروءة التي يذم بها الرجل ويعاب ، وكان ستره في الصلاة
حينئذ ـ كستره خارج الصلاة أيضا ـ أفضل ؛ لأنه يكون من تمام الزينة .

وأما عدم تغطية الرأس بمجرده ، فليس إثم .

وإن
تعارف الرجال في مكان ما ، أو زمان ما ، فيما بينهم على كشف رؤوسهم ، فلا حرج ـ
حينئذ ـ في كشفه ، والأمر في ذلك واسع ، إن شاء الله .

قال
الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

إذا طبَّقنا هذه المسألة على قوله تعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) الأعراف/ 31 : تبيَّن لنا أن

ستر
الرأس أفضل في قوم يعتبر ستر الرأس عندهم من أخذ الزِّينة ، أما إذا كُنَّا في قوم
لا يُعتبر ذلك من أخذ الزينة : فإنَّا لا نقول : إنَّ ستره أفضل ، ولا إنَّ كشفه
أفضل ، وقد ثبت عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام : ” أنه كان يُصلِّي في
العِمامة ” ، والعِمَامة ساترة للرَّأس .


الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 2 / 166 ) .

وليس ثمة نص نبوي يوجب ، بل ولا يستحب ، تغطية الرأس ، لا في الصلاة ولا في غيرها
من الأحوال .

قال
علماء اللجنة الدائمة :

ستر
رأس الرجل في الصلاة ليس واجباً ، والأمر في ذلك واسع .


فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 170 ) .

وقالوا :

لا
يجب تغطية الرأس على الرجل في الصلاة ، ولا في غيرها ، ويجوز الائتمام بمن لا يغطي
رأسه ؛ لأن الرأس بالنسبة للرجل ليس بعورة .


فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 171 ، 172 ) .

وقالوا :

تغطية الرجل رأسه في الصلاة ليست من سننها .


فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 172 ) .

وكل
الفتاوى السابقة مذيلة بأسماء العلماء :

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ،
الشيخ عبد الله بن قعود .

 

وإننا نوصي إخواننا في جماعة التبليغ ، وغيرهم من المشتغلين بالدعوة إلى الله تعالى
، أن يلتزموا ذكر الصحيح من الأحاديث ، وأن يجتنبوا الضعيف والموضوع – وما أكثره
عندهم – ، وقد يسَّر الله من سبل العلم ما يسهل عليهم ذلك ، ويقطع عذر المعتذر ؛
فقد ازدادت العناية بتحقيق الكتب ، وبيان حال أحاديثها ، وصار الاتصال بأهل العلم
أسهل من ذي قبل ، وها هي الأقراص العلمية ، والمواقع الموثوقة ، ولا يحتاج الأمر
إلا إلى إرادة صادقة ، وشعور بأهمية ذلك والحاجة إليه .

 

والله أعلم