الجواب :
الحمد لله
اعلم – يا عبد الله – أن الله تعالى يرزق كل الناس مؤمنهم وكافرهم بدون حساب وبدون
مقابل ، ولا ينقص ذلك من ملكه شيئًا .
ويهب لمن يشاء البنين والبنات ، بدون مقابل .
ويغفر لمن تاب إليه ولو كان من أعتى المجرمين .
ويعفو عمن طلب عفوه ولو كان من أعصى العصاة .
ولا يحرم أحدًا رزقًا أو ولدًا مقابل أن يغفر له أو يعفو عنه ، تعالى الله عن ذلك
علوًا كبيرًا .
واستمع ـ يا عبد الله ـ إلى هذا الحديث الجليل ، الذي تهتز له قلوب أهل الإيمان :

روى مسلم في صحيحه (2577) عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ
مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا .
يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ ، فَاسْتَهْدُونِي
أَهْدِكُمْ .
يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي
أُطْعِمْكُمْ .
يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ ، فَاسْتَكْسُونِي
أَكْسُكُمْ .
يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ .
يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي ، فَتَضُرُّونِي ، وَلَنْ
تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي .
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ ،
كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي
مُلْكِي شَيْئًا .
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ ،
كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي
شَيْئًا .
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ ،
قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ
مَسْأَلَتَهُ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي ، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ
الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ .
يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ
إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ
ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ).
قَالَ سَعِيدٌ : كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ، إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا
الْحَدِيثِ ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ !!
وحينئذ ، نقول لك ـ يا عبد الله ـ : إن التفكير بأن الله تعالى يستجيب للعبد أو
يغفر له إذا كان هذا مقابل أن يحرمه الرزق أو الولد أو نحو ذلك : تفكير خاطئ ،
واعتداء في الدعاء ، وهو من سوء الظن بالله ، وعدم قدره حق قدره ؛ فلا يجوز لمسلم
أن يفكر فيه ، أو أن يدعو به .
هذا فضلا عن أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد نهى عن دعاء الإنسان على نفسه .
فقال صلى الله عليه وسلم: ( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى
أَوْلَادِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ
سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ ) رواه مسلم .
وقال أيضًا : ( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ
الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ) رواه مسلم.
وجاء عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه : ” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَادَ رَجُلا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ ، فَصَارَ مِثْلَ
الْفَرْخِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ، أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ ؟ ) ، قَالَ : نَعَمْ ،
كُنْتُ أَقُولُ : اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ
فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( سُبْحَانَ اللَّهِ ! لَا تُطِيقُهُ ، أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ ،
أَفَلَا قُلْتَ : اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ، وَفِي الْآخِرَةِ
حَسَنَةً ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ، قَالَ : فَدَعَا اللَّهَ لَهُ ، فَشَفَاهُ
” رواه مسلم.
لذلك قد يكون ما أنت فيه الآن من عدم الإنجاب ، وعدم الحصول على عمل : نتيجة هذا
الدعاء الذي دعوت به ، والله أعلم بالغيوب ، وما يكون من أمر قضائه وقدره .
ولكن لا يلزم من هذا أنك ستحرم من الرزق والولد طيلة عمرك ، إذ الغيب لا يعلمه إلا
الله تعالى ، ولكن لعل الله تعالى أراد أن يضيق عليك ؛ لتعلم أنك أخطأت بما فعلت ،
ولتعلم أنه لا رازق إلا هو سبحانه ، ولا يهب البنين والبنات إلا هو سبحانه .
والواجب عليك الآن هو : التوبة إلى الله تعالى ، وعدم الدعاء بمثل هذا مرة أخرى ،
وأن تكثر من الدعاء بالخير ، وأن تسأل الله تعالى بأن يرزقك المال والولد .
واعلم أن الله يحب أن يسأله عبدُه ، ويغضب على من لم يسأله ، قال النبي صلى الله
عليه وسلم: ( إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ ) أخرجه
الترمذي في ” سننه” (3373) ، والبخاري في “الأدب المفرد” (2/114) وحسنه السيوطي في
“الجامع الصغير” ، والشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” (2654) .
وأكثر من الاستغفار ، فإنه سبب في كثرة المال والولد ، قال الله تعالى : ( فَقُلْتُ
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ
مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ
وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ) نوح/10 – 12 ، وراجع الفتوى رقم : (39775).
ونسأل الله تعالى أن يرزقك المال والولد ، وأن يعفو عنك ويصلح شأنك.

والحاصل:

أن الواجب عليك الآن هو : التوبة إلى الله تعالى ، وعدم الدعاء بمثل هذا مرة أخرى ، وأن تكثر من الدعاء بالخير ، وأن تسأل الله تعالى بأن يرزقك المال والولد ، فربما كان ما أصابك من عدم الإنجاب ، وعدم الحصول على عمل نتيجة هذا الدعاء الذي دعوت به ، ولكن لا يلزم من هذا أنك ستحرم من الرزق والولد طيلة عمرك ، فربما كان ابتلاء من الله وتضييق ؛ لتعلم أنك أخطأت بما فعلت ، ولتعلم أنه لا رازق إلا هو سبحانه ، ولا يهب البنين والبنات إلا هو سبحانه ..

والله أعلم