السؤال:
توفي والدي من قرابة ثلاثة أشهر ، واتضح لنا من خلال رؤيا رأيناها أنه عليه ديْن من تصفية شراكة قديمة مع أحد الأشخاص ، مع العلم أن هذا الشخص صاحب الديْن قد توفي أيضا قبل أبي على حسب تفسير الرؤيا ، علماً أن الرؤيا قد فسرها أحد المشايخ الثقات ، وقد اجتهدنا وحاولنا بشتى الطرق في البحث عن أهل صاحب الديْن ولم نستطع أن نتعرف عليهم ، فأمَرَنا الشيخ بإخراجها صدقة عن صاحب الديْن ، هل هذا يبرىء ذمة والدي في قبره إن شاء الله ؟


الجواب :

الحمد لله

أولاً:

مثل
هذه الرؤيا لا يثبت بها الدَّين ، لأنها ليست حجة شرعية ، ولكن لا حرج من الاستئناس
بها ، والعمل بها ، ففي ذلك إحسان من الورثة إلى ميتهم ، والأخذ بالأحوط له .

وقد
رؤي ثابت بن قيس رضي الله عنه في المنام بعد موته ، وأوصى بأشياء ، فنفذ أبو بكر
رضي الله عنه وصيته ، وذلك لأنه قامت قرائن على صحة تلك الرؤيا .

روى
الحاكم أن ثابت بن قيس رضي الله عنه استشهد يوم اليمامة ، فلما استشهد، رآه رجل:
فقال: إني لما قتلت، انتزع درعي رجل من المسلمين، وخبأه، فأكب عليه برمة [هي :
القِدْر] ، وجعل عليها رَحْلاً [الرحل للبعير كالسرج للفرس] .

فائت الأمير، فأخبره، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه، وإذا أتيت المدينة، فقل
لخليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم : إن علي من الدين كذا وكذا، وغلامي فلان
عتيق، وإياك

أن
تقول: هذا حلم، فتضيعه، فأتاه، فأخبره الخبر، فنفذ وصيته، فلا نعلم أحدا بعد ما مات
أنفذت وصيته غير ثابت بن قيس رضي الله عنه .

قال

شيخ

الإسلام
ابن

تيمية

رحمه

الله : 

“وتصح

الوصية

بالرؤيا

الصادقة

المقترنة
بما

يدل

على

صدقها
،

إقراراً

كانت
أو

إنشاءً
،

لقصة

ثابت
بن

قيس

التي

نفذها

الصديق
رضي

الله
عنه

انتهى .

“الاختيارات

ص

273
.

فإذا عمل الورثة بمثل هذه الرؤيا ، فهو خير للميت بكل حال ، فإما أن يُقضى عنه
الدين – إن كانت الرؤيا حقاً – وإما أن يكون صدقة عنه ، فينتفع به إن شاء الله .

قال

الدكتور

خالد
بن

بكر

بن

إبراهيم
آل

عابد وفقه الله :

“لو

رُؤيَ

شخص

بعد

موته

يوصي

هل

تنفذ

وصيته

؟
.

لم

أقف

على

نص

واضح

في

المسألة

لكن

ومن

خلال

النظر

في

أصول

الشريعة وقواعدها

العامة

ومن

خلال

أقوال

العلماء

في

العمل

بالرؤى

أقول

مستعينا

بالله
:

إن

هذه

الوصية

لا

تخلو

من

حالتين :

الحالة

الأولى

:
أن

يوصي

بفعل

برٍّ

،
كبناء

مسجد

،
أو

التصدق

،
وما

أشبه

ذلك
.

الحالة

الثانية : أن

يوصي

بفعل

واجب

عليه

،
كقضاء

ديْن

،
أو

أداء

أمانة

،
أو

رد

عارية

،
أو

أداء

زكاة

،
أو

حج

،
وما

أشبه

ذلك

مما

لم

يعلمه

الورثة

ولم

تقم

عليه

بيِّنة .

فالحالة

الأولى : إن

رضي

الورثة

بإنفاذها

:
فلا

إشكال

عندئذٍ

،
فهي

كالصدقة

لمورثهم ، وإنفاذها

لا

يقدح

في

قواعد

الشريعة

الكلية

،
ولا

يخالف

أصلاً ،

فيعمل

بالرؤيا

استئناساً

،
ولا

مانع منه .

أما

إذا

لم

يرض

الورثة

:
فيحرُم

إنفاذ

الوصية

؛
لأنه

عندئذٍ

يؤدِّي

إلى

مخالفة

قواعد

الشريعة والنصوص

الشرعية

،
وبيانه :

أن

الملك

يزول

بالموت

،
والأصل

:
أنه

لا

يحق

للإنسان

التصرف

في

ماله

بعد

موته

؛
لانتقال

الملكية

إلى

الورثة

،
إلا

أن

الله

منَّ

على

المؤمن

فجعل

له

الحق

بأن

يوصي

بثلث

ماله

وينفذ

تصرفه فيه

بعد

موته

صدقة

منه

عز

وجل

،

وبعد

الموت

يفوت

هذا

الحق

،
فالإلزام

بإنفاذ

الوصية التي

رؤيت

في

النوم

:
ينافي

ما

تقرر

في

الشريعة

من

أنه

لا

ينفذ

تصرف

الإنسان

فيما

لا

يملك
،

ومخالف

لمقتضى

آيات

وأحاديث

المواريث

التي

قسمت

التركة

على

الورثة

،
ولم

تجعل

لغيرهم نصيباً

فيها .

أما

الحالة

الثانية : فيما

لو

أوصى

بواجب

عليه

،
كما

لو

رؤي

في

المنام

يقول

:
لفلان

بن
فلان

عليَّ

ألفٌ

فاقضوه

،
أو

له

أمانة

كذا

وكذا

فأدوه

،
أو

عارية

كذا

فردوها

،
ثم

بعد

التحقق

وجد
الأمر

كما

ذكر

،
فالذي

يظهر

لي

:
أنه

يلزم

إنفاذها

؛
لدلالة

القرائن

على

ذلك

،
ولأن

هذا

من

الحقوق المتعلقة

بذمة

الميت

فيجب

أداؤها

عنه

،
بل

هي

مقدَّمة

على

الإرث ، ولا

يقال : إن

هذا

فيه

إثبات

للحكم

الشرعي

بالرؤيا

إذا

احتفت

بالقرائن لأنا

نقول
: إن

وجوب

قضاء

الدَّيْن

وأداء

الأمانة

ورد

العارية

ونحوها

:
ثابت

بأصل الشرع

،
والرؤيا

لما

احتفت

بالقرائن

أظهرت

هذا

الحكم

،
فلم

يعمل

هنا

بمجرد

الرؤيا

بل

بما

 احتفت
بها

من

القرائن

،
وهي

معتبرة

شرعاً

في

إثبات

الأحكام” انتهى .

بحث
بعنوان : ” الرؤى

الصادقة
،

حجيتها

وضوابطها ” ( ص 36 ، 37 ) ، وقد نشر في ” مجلة

جامعة

أم

القرى

” ،

ج

١٩

،

ع

٤٢

،

رمضان

١٤٢٨

هـ
.

ثانياً:

إذا
كان صاحب الحق قد توفي ، ولم تجدوا أحداً من ورثته تدفعون إليه المال ، فإنكم
تتصدقون بهذا المال عن صاحبه ، وبهذا تبرأ ذمة والدكم من هذا المال ـ إن كانت
الرؤيا حقاً .

قال
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :

“وإن كان قد مات – أي : صاحب الحق – : فإنه يوصله إلى ورثته ؛ لأن المال بعد الموت
ينتقل إلى الورثة ، فلابدَّ أن يسلِّمه للورثة ، فإن لم يعلمهم بأن جهلهم ولم يدر
عنهم : تصدق به عنهم ، والله تعالى يعلمهم ، ويعطيهم حقهم” انتهى .


شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 509 ، 510 ) .

والله أعلم .