الجواب :
الحمد لله
أولا:
إذا طلَّق الزوجُ امرأتَه ثلاث تطليقات ، أو طلقها طلقة واحدة أو طلقتين ، وانتهت
عدتها ، فإنها تصبح أجنبية عنه ، فلا يحل له الخلوة بها ، ولا المبيت عندها في
بيتها ، ولا لمسها ، ولا النظر إليها ، وقد سبق بيان هذا في الفتوى رقم : (89979).

وعلى ذلك : فإن ما يفعله زوجك من المبيت عند طليقته في بيتها أمر محرم لا يجوز ؛
لأنه لا يخلو من اختلاء بها ، أو خلطة على وجه محرم .
ثم كون هذه الخلوة مع طليقته ذريعة قوية للفتنة والوقوع فيما حرمه الله سبحانه ،
وكون هذه الطليقة غير مسلمة : ذريعة أخرى أيضا للفتنة ، لأنها فقدت الإيمان بالله
سبحانه ، ومن فقد الإيمان بالله يسهل تسلط الشيطان عليه وإغواؤه ، قال تعالى : (
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ
وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) النحل/ 98 – 100 .
وحاصل ذلك كله : أن ما يفعله زوجك من المبيت عند طليقته أمر محرم لا يجوز ، والواجب
عليه أن ينتهي عنه فورا .

ثانيا:
بخصوص حضانة طليقته الكافرة لطفله : فهذا محل خلاف بين أهل العلم ، وقد حكى الخلافَ
ابنُ قدامة رحمه الله ، فقال في ” المغني ” (8 / 237): ” ولا تثبت – أي الحضانة –
لكافر على مسلم ، وبهذا قال مالك ، والشافعي ، والعنبري ، وقال ابن القاسم وأبو ثور
، وأصحاب الرأي: تثبت له ” انتهى.

والرأي الراجح هو ما ذهب
إليه الجمهور : من عدم جواز حضانة الكافرة للطفل المسلم ، كما سبق بيانه جواب
السؤال رقم : (21516 ) ، بل لا ينبغي
الإفتاء بخلاف هذا القول ، خصوصا إذا بلغ الطفل سن الفهم والتمييز ، إذ كيف يترك
حينئذ بحيث يكبر على سماع الكفر ، ويتربي على جحد نبوة رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وعلى ترك الصلاة ، والإفطار في رمضان ، وشرب الخمر ، وغير ذلك من المفاسد ؟
وهل هناك فتنة له في دينه وخلقه أعظم من هذه الفتنة وأشنع ؟ فعلى زوجك أن يحتال
لينتزع ابنه من حضانة هذه المرأة الكافرة ، قبل فوات الأوان .

ثالثا :
لا شك أن لك كزوجة حقوقا على زوجك ، ثبتت بحكم الشرع الشريف ، وقد سبق بيان هذه
الحقوق مفصلة بأدلتها في الفتوى رقم : (10680)
.
وجماع هذه الحقوق في قول الله سبحانه للأزواج : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ
خَيْرًا كَثِيرًا )النساء/19 ، ولا شك أن من العشرة بالمعروف أن يجعل الزوج لزوجته
شيئا من الوقت يحادثها وتحادثه ، ويؤانسها فيه ، فإن هذا مما يجلب المودة ويزيد
الألفة بينهما ، وقد كان هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته ، على
الرغم من انشغاله بأمور الدعوة والتعليم والجهاد وغيرها من الأمور الكبار .
أخرج البخاري (1119) وغيره عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ” أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم كان يصلي جالسا ، فيقرأ وهو جالس ، فإذا بقي من قراءته نحو من
ثلاثين – أو أربعين – آية قام فقرأها وهو قائم ، ثم يركع ، ثم سجد يفعل في الركعة
الثانية مثل ذلك ، فإذا قضى صلاته نظر: فإنْ كنتُ يَقْظى تحدَّثَ معي ، وإنْ كنتُ
نائمةً اضطجَعَ ” .
فهذا فعله مع عائشة رضي الله عنها ، وحديثه معها عقب قيام الليل إذا كانت مستيقظة .

وأخرج البخاري (2035) ، ومسلم (2175) عن علي بن الحسين رضي الله عنهما: ” أن صفية –
زوج النبي صلى الله عليه وسلم – أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان ، فتحدثت عنده ساعة ، ثم
قامت تنقلب ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها ، حتى إذا بلغت باب المسجد
عند باب أم سلمة ، مر رجلان من الأنصار ، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: ( على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي ) ،
فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ ، وَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ ابْنِ آدَمَ مَبْلَغَ
الدَّمِ ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا ) .
فهذا حديثه صلى الله عليه وسلم مع زوجته صفية وهو معتكف ، حتى أخذ العلماء منه جواز
حديث الرجل مع غيره وهو في اعتكافه .
جاء في ” فتح الباري ” لابن حجر (4 / 280): ” وفي الحديث من الفوائد : جواز اشتغال
المعتكف بالأمور المباحة ، من تشييع زائره ، والقيام معه ، والحديث مع غيره ”
انتهى.

على أنه ينبغي لك أن تصبري
على أمر زوجك ، وتتلطفي في إيصال ذلك له ، خشية أن يزيده إلحاحك عنادا ، أو نفرة
منك ، وأبدي له استعدادك لحضانة ولده في منزلك ، إذا تمكن من نزع حضانته من أمه
الكافرة ، فهذا باب من الإحسان إلى زوجك ، والإحسان إلى هذا الولد ، وهو أهم : ألا
يتربى في حضانة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر .

والله أعلم .