الجواب :
الحمد لله
أولا :
روى الترمذي (2002) وصححه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ
الْبَذِيءَ ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي” .
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله :
” أُوقِعَ قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ )
مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ : (إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ)
دَلَالَةً عَلَى أَنَّ أَخَفَّ مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ هُوَ سُوءُ الْخُلُقِ ،
وَأَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ اللَّهِ ، وَالْخُلُقُ
السَّيِّئُ أَبْغَضُهَا ؛ لِأَنَّ الْفُحْشَ وَالْبَذَاءَةَ أَسْوَأُ شَيْءٍ فِي
مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ ” انتهى من “مرقاة المفاتيح” (8/ 3177) .
وروى أحمد (6735) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ
سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( أَلَا أُخْبِرُكُمْ
بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ )
فَسَكَتَ الْقَوْمُ ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَوْمُ:
نَعَمْ يَا رَسُولَ الله ، قَالَ: ( أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا ) .
وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” (2650) .
وروى الترمذي (2018) وحسنه عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ
مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا ، وَإِنَّ
أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
الثَّرْثَارُونَ ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ ، وَالْمُتَفَيْهِقُونَ ) ، وصححه الألباني
في ” صحيح الترمذي “.
وروى البخاري (6035) ، ومسلم (2321) عن عبد الله بن عمرو عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا )
.
قال النووي رحمه الله :
” فِيهِ الْحَثّ عَلَى حُسْن الْخُلُق , وَبَيَان فَضِيلَة صَاحِبه ، وَهُوَ صِفَة
أَنْبِيَاء اللَّه تَعَالَى وَأَوْلِيَائِهِ ،
قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : حَقِيقَة حُسْن الْخُلُق بَذْل الْمَعْرُوف , وَكَفّ
الْأَذَى , وَطَلَاقَة الْوَجْه .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هُوَ مُخَالَطَة النَّاس بِالْجَمِيلِ وَالْبِشْر ,
وَالتَّوَدُّد لَهُمْ , وَالْإِشْفَاق عَلَيْهِمْ , وَاحْتِمَالهمْ , وَالْحِلْم
عَنْهُمْ , وَالصَّبْر عَلَيْهِمْ فِي الْمَكَارِه , وَتَرْك الْكِبْر
وَالِاسْتِطَالَة عَلَيْهِمْ ، وَمُجَانَبَة الْغِلَظ وَالْغَضَب , وَالْمُؤَاخَذَة
” انتهى .

ثانيا :
حسن الخلق يزيد من الإيمان ، وسوء الخلق ينقص من الإيمان ولا يبطله بالكلية ، لأن
الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .
فمن كمال الإيمان حسن الخلق ، والمسلم سيء الخلق ناقص الإيمان .
وقد روى أبو داود (4682) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا
أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .
وروى أحمد (20831) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْفُحْشَ ، وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا مِنَ
الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلَامًا، أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا )
وحسنه الألباني في ” صحيح الترغيب ” (2653) .
وهذا مما يدل على أن سوء الخلق نقص في الإيمان الواجب .
راجع إجابة السؤال رقم : (10809)
لمعرفة أسباب نقص الإيمان .

ثالثا :
الأصل أن العمل الصالح لا يحبطه إلا الشرك بالله تعالى ؛ قال تعالى : (وَمَنْ
يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ
الْخَاسِرِينَ ) المائدة /5 .
ومن أصول الخلاف بين أهل السنة وطوائف أهل البدع من الوعيدية : الخوارج ، والمعتزلة
، ومن وافقهم : أنهم يقولون بحبوط الطاعات بالمعاصي .
وأما أهل السنة : فيقولون : إن الكبيرة لا تحبط العمل الصالح ، وإن كان الإيمان
ينقص بالمعاصي ، كما أنه يزيد بالطاعات .

على أنه قد ورد في النصوص :
أن من الذنوب ما توعد الله صاحبها بحبوط عمله ، وليس ذلك لكل ذنب ، إنما هي ذنوب
مخصوصة ، ورد فيها ذلك الوعيد المخصوص ، الذي يوقف عنده ، ولا يقاس عليه ، كما قال
تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن
تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) الحجرات/2 .

وتقدم في إجابة السؤال رقم :
(81874) أن
المعاصي والبدع تحبط أجر ما يقابلها من الحسنات على سبيل الجزاء .
وينظر أيضا إجابة السؤال رقم : (107241)
.

رابعا :
الملتزم بشرائع الإسلام والمتأدب بآدابه لا يكون سيء الخلق ، إنما يحصل سوء الخلق
من مخالفة الشريعة ، ومصاحبة أهل السوء ، ثم أسوأ من ذلك ألا يصلح ما هو فيه من سيء
الأخلاق ، أو لا يقبل من ينصحه ويدعوه إلى ذلك ، وقد قال تعالى : ( وَسَارِعُوا
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا
اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) آل عمران/ 133 –
135 .
خامسا :
سوء الخلق ضرره عظيم على الدعوة إلى الله ، فإن الناس ينفرون من سيء الخلق ، سيء
التعامل ، ويرفضون نصحه ، ويقولون : ينصح نفسه أولا ، ويُقبلون على حسن الخلق حسن
التعامل ، ويقبلون منه نصحه ويستمعون إلى قوله .
فمن ساء خلقه عطل سبيل الدعوة ، وجعل الناس يسيئون الظن بأهل الالتزام ، وأنهم لا
يحسنون التعامل مع الناس وينفرونهم .
كما يعود سوء الخلق بالعاقبة السيئة عند التعامل مع غير المسلمين ، حيث إن سوء
الخلق ينفرهم من الدين وأهله .
فليتق العبدُ ربه ، أن يكون بحاله وفعاله سببا في صد الناس عن سبيل الله ، أو
تنفيرهم من الدين وأهله :
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ : ” جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ
الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا
غَضِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ،
فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ، فَلْيُوجِزْ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ،
وَالضَّعِيفَ ، وَذَا الْحَاجَةِ ) . رواه البخاري (702) ومسلم (466) .

قال المناوي رحمه الله :
” سوء الخلق شر ووبال على صاحبه وغيره فإنه يجذب صاحبه في الدنيا إلى العار وفي
الآخرة إلى النار ، قال الشاعر :
وكم من فتى أزرى به سوء خلقه ** فأصبح مذموماً قليل المحامد .
وقالوا من ساءت أخلاقه لزم فراقه .
وقالوا سوء الخلق يدل على خبث الطبع ولؤم العنصر .
وقالوا يكاد سيئ الخلق أن يعد من البهائم .
فمن رزق حسن الخلق فهنيئا له ، وإلا فعليه بمعالجته حتى يزول ”
انتهى باختصار منن “التيسير” (2 /121) .

على أننا نقول هنا أيضا :

إن كثيرا من الناس لا ينصفون أهل الدين ، ولا يعدلون معهم في القضية ، ويرون الصغير
منهم فاحشا ، بل لو فعل أحدهم مباحا ، أو طلبا ما رخص له في أمر الدنيا ، قاموا
عليه بالشناعات ، والقيل والقال .
وإذا بدرت منه بادرة ، أو وقع فيما لا يخلو منه بشر : أقاموا الدنيا ، ولم يقعدوها
.
إن بعض الناس يريد من هؤلاء أن يكونوا أنبياء !!
وبعضهم : يتحين له خطأه ، وزلاته ، ليشنع عليه ، بل على الدين وأهله به ، والله
تعالى يحب القسط ، ويأمر كل أحد ، بالعدل مع كل أحد ، كائنا من كان .
وقد أمر عباده أن ينظروا إلى الناس ، ويعاملوهم ، بما يحبون أن ينظر إليهم الناس ،
ويعاملوهم به :
روى مسلم في صحيحه (1844) : عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ
حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ،
وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ
عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا ، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ ، وَأُمُورٌ
تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ
الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ
وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ ، فَمَنْ أَحَبَّ
أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ
وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي
يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ) .

والله أعلم .