ما معنى غض البصر ؟.

الحمد لله

أولا :

غض البصر في اللغة يعني كفه ومنعه من الاسترسال في التأمل والنظر
.

يقول ابن فارس في “معجم مقاييس اللغة” (4/307) :

” الغين والضاد ، يدلُّ على كفٍّ ونَقْص، (مثل) غضُّ البصر ،
وكلُّ شيءٍ كففتَه فقد غَضَضْته ” انتهى .

ويقول ابن منظور في “لسان العرب” (7/196) :

” وغَضَّ طَرْفَه وبَصره : كفَّه وخَفَضَه وكسره . وقيل : هو
إِذا دانى بين جفونه ونظر ” انتهى

ثانيا :

وهو في الشرع يشمل أمورا عدة :

1- غض البصر عن عورات الناس ، ومن ذلك زينة المرأة الأجنبية .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله “مجموع الفتاوى” (15/414)
:

” والله سبحانه قد أمر فى كتابه بغض البصر وهو نوعان : غض البصر
عن العورة . وغضه عن محل الشهوة .

فالأول كغض الرجل بصره عن عورة غيره .

وأما النوع الثاني من النظر كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة
الأجنبية ، فهذا أشد من الأول ، كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير ،
وعلى صاحبها الحد … لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهى الخمر ”
انتهى .

2- غض البصر عن بيوت الناس وما أغلقت عليه أبوابهم :

يقول ابن تيمية “مجموع الفتاوى” (15/379) :

” وكما يتناول غض البصر عن عورة الغير وما أشبهها من النظر إلى
المحرمات ، فإنه يتناول الغض عن بيوت الناس ، فبيت الرجل يستر بدنه كما تستره ثيابه
، وقد ذكر سبحانه غض البصر وحفظ الفرج بعد آية الاستئذان ، وذلك أن البيوت سترة
كالثياب التى على البدن ” انتهى .

ويقول ابن القيم رحمه الله في “مدارج السالكين” (1/117) :

” ومن النظر الحرام النظر إلى العورات ، وهي قسمان : عورة وراء
الثياب . وعورة وراء الأبواب ” انتهى .

3- غض البصر عما في أيدي الناس من الأموال والنساء والأولاد
والمتاع ونحوها .

قال تعالى : ( لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا
بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ
لِلْمُؤْمِنِينَ ) الحجر/88

قال ابن سعدي في “تفسيره” (434) :

” أي: لا تعجب إعجابا يحملك على إشغال فكرك بشهوات الدنيا التي
تمتع بها المترفون ، واغترَّ بها الجاهلون ، واستغن بما آتاك الله من المثاني
والقرآن العظيم ” انتهى .

وقال أيضا (ص/516) :

” أي : لا تمد عينيك معجبا ، ولا تكرر النظر مستحسنا إلى أحوال
الدنيا والمُمَتَّعين بها ، من المآكل والمشارب اللذيذة ، والملابس الفاخرة ،
والبيوت المزخرفة ، والنساء المجملة ، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا ، تبتهج بها
نفوس المغترين ، وتأخذ إعجابا بأبصار المعرضين ، ويتمتع بها – بقطع النظر عن الآخرة
– القوم الظالمون ، ثم تذهب سريعا ، وتمضي جميعا ، وتقتل محبيها وعشاقها ، فيندمون
حيث لا تنفع الندامة ، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا في القيامة ، وإنما جعلها الله
فتنة واختبارا ، ليعلم من يقف عندها ويغتر بها ، ومن هو أحسن عملا ” انتهى
.

ثالثا : 

يذكر العلماء في فوائد غض البصر أمورا كثيرة ،
منها ما قاله ابن القيم رحمه الله في “الجواب الكافي” (125) : 

” وفي غض البصر عدة منافع :

أحدها : أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه
ومعاده ، وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى ، وما
سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره ، وما شقي من شقي في الدنيا
والآخرة إلا بتضييع أوامره .

الثانية : أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذى لعل فيه
هلاكه إلى قلبه .

الثالثة : أنه يورث القلب أنسا بالله ، وجمعية على الله ، فإن
إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده من الله ، وليس على العبد شيء أضر من إطلاق
البصر ، فانه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه .

الرابعة : أنه يقوي القلب ويفرحه ، كما أن إطلاق البصر يضعفه
ويحزنه .

الخامسة : أنه يكسب القلب نورا ، كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة ،
ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر ، فقال : ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ
يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) النور/30
ثم قال إثر ذلك : (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ
نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) النور/35 أي مثل
نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه ، وإذا استنار القلب
أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب ، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر
عليه من كل مكان ، فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى واجتناب هدى وإعراض عن أسباب
السعادة واشتغال بأسباب الشقاوة ، فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب ،
فإذا فقد ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام .

السادسة : أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق
والمبطل والصادق والكاذب ، … والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس
عمله ، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ، فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه
الله بأن يطلق نور بصيرته ، عوضة عن حبسه بصره لله ، ويفتح له باب العلم والإيمان
والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة ، التي إنما تنال ببصيرة القلب ، وضد هذا ما وصف
الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة فقال تعالى : (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ
لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) الحجر/72

السابعة : أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة ، ويجمع الله له بين
سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة ، كما في الأثر : ( الذي يخالف هواه يفر
الشيطان من ظله ) ومثل هذا تجده في المتبع هواه من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها
وخستها وحقارتها ، ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه ، كما قال الحسن : ( إنهم وإن
طقطقت بهم البغال ، وهملجت بهم البراذين ، فإن المعصية لا تفارق رقابهم ، أبى الله
إلا أن يذل من عصاه ) .

وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته ، والذل قرين معصيته ، فقال
تعالى : ( ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ )
المنافقون/8 ، وقال تعالى : ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا
وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) آل عمران/139
، والإيمان قول وعمل ، ظاهر وباطن ، وقال تعالى : ( مَن كَانَ
يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ
الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) فاطر/10 ،
أي من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكره ، من الكلم الطيب والعمل الصالح ،
وفي دعاء القنوت : ( إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ) ومن أطاع الله فقد
والاه فيما أطاعه فيه ، وله من العز بحسب طاعته ، ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه
، وله من الذل بحسب معصيته .

الثامن : أنه يسد على الشيطان مدخله من القلب ، فإنه يدخل مع
النظرة ، وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي ، فيمثل له
صورة المنظور إليه ، ويزينها ويجعلها صنما يعكف عليه القلب ، ثم يَعِدُهُ
ويُمَنِّيه ، ويوقد على القلب نار الشهوة ، ويلقي عليه حطب المعاصي التي لم يكن
يتوصل إليها بدون تلك الصورة ، فيصير القلب في اللهب ، فمن ذلك اللهب تلك الأنفاس
التي يجد فيها وهج النار ، وتلك الزفرات والحرقات ، فإن القلب قد أحاطت به النيران
بكل جانب ، فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور ، لهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات
بالصور المحرمة أن جُعل لهم في البرزخ تنورٌ من نار .

التاسع : أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها ،
وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ويحول عليه بينه وبينها ، فتنفرط عليه أموره ، ويقع في
اتباع هواه ، وفي الغفلة عن ذكر ربه ، قال تعالى : ( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا
قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً )
الكهف/28

العاشر : أن بين العين والقلب منفذا أو طريقا يوجب اشتغال أحدهما
عن الآخر ، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده ، فإذا فسد القلب فسد النظر ، وإذا فسد
النظر فسد القلب ، وكذلك في جانب الصلاح ” انتهى .

والله أعلم .

وانظر السؤال رقم (1774)
، (20229) .