الجواب :
الحمد لله
أولا :
صاغ أهل العلم قاعدة ” الأصل في الأشياء الإباحة ” استخلاصا من أدلة الشرع .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
” اعلم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها وتباين أوصافها : أن
تكون حلالا مطلقا للآدميين ، وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ملابستها ومباشرتها ،
ومماستها ، وهذه كلمة جامعة ، ومقالة عامة ، وقضية فاضلة عظيمة المنفعة ، واسعة
البركة ، يفزع إليها حملة الشريعة ، فيما لا يحصى من الأعمال ، وحوادث الناس ، وقد
دل عليها أدلة عشرة – مما حضرني ذكره من الشريعة – وهي : كتاب الله ، وسنة رسوله ،
واتباع سبيل المؤمنين المنظومة في قوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
الأمر منكم ) وقوله : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) ، ثم مسالك القياس ،
والاعتبار ، ومناهج الرأي ، والاستبصار ” .
انتهى من “مجموع الفتاوى” (21 / 535) .
ثم ساق رحمه الله تعالى الأدلة على ذلك ، فيحسن الاطلاع عليها في الكتاب المشار
إليه .
ومعنى هذه القاعدة : أن كل ما على الأرض من منافع ، وما استخلصه الإنسان منها :
فالانتفاع به مباح ، ما لم يقم دليل على تحريمه .
ثانيا :
بالنسبة للأطعمة والأشربة والملابس ومواد التنظيف فإنه يعمل بهذه القاعدة ، في كل
مالم يرد فيه نص شرعي ، ويستثنى من ذلك أمران :
الأول :
الأشياء المحتوية على ضرر معتبر ومؤثر ؛ لأن المواد الضارة الأصل فيها التحريم ،
ولا تتناولها قاعدة ” الأصل في الأشياء الإباحة ” .
قال الله تعالى : ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة
/195.
وقال الله تعالى : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ
رَحِيمًا ) النساء /29.
وعَنْ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ – رضي الله عنه – : أنَّ النَّبيَّ – صلى الله عليه
وسلم – ، قالَ : ( لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ ) رواه الحاكم (2 / 57 – 58) وقال صحيح
الإسناد على شرط مسلم ، وصححه الألباني في ” سلسلة الأحاديث الصحيحة ” (1 / 498) .
وقد حقّق الشيخ المفسّر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى هذه المسألة ؛
فقال :
” إن كان فيها ضرر لا يشوبه نفع ، فهي على التحريم ؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم: (
لا ضرر ولا ضرار ) .
وإن كان فيها نفع من جهة ، وضرر من جهة أخرى ، فلها ثلاث حالات :
الأولى : أن يكون النفع أرجح من الضرر .
والثانية : عكس هذا .
والثالثة : أن يتساوى الأمران .
فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساويا له ، فالمنع ؛ لحديث: ( لا ضرر ولا
ضرار ) ، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
وإن كان النفع أرجح ، فالأظهر الجواز ؛ لأن المقرر في الأصول : أن المصلحة الراجحة
تقدم على المفسدة المرجوحة ” انتهى من ” أضواء البيان ” (7 / 793 – 794) .
الثاني :
الأصل في اللحوم والذبائح التحريم .
لأن اللحوم والذبائح لا يجوز تناولها ، إلا إذا تحقق وجود التذكية بشروطها .
قال الخطابي رحمه الله تعالى :
” وأما الشيء إذا كان أصله الحظر ، وإنما يستباح على شرائط وعلى هيئات معلومة ؛
كالفروج لا تحل إلا بعد نكاح أو ملك يمين ، وكالشاة لا يحل لحمها إلا بذكاة ، فإنه
مهما شك في وجود تلك الشرائط ، وحصولها يقيناً على الصفة التي جعلت علماً للتحليل
كان باقياً على أصل الحظر والتحريم ” انتهى من ” معالم السنن ” (3 / 57) .
ولكن يكفي لإثبات الحل فيها : أن نعلم أن ذابحها مسلم ، أو من أهل الكتاب
(اليهود والنصارى) ولا يشترط بعد ذلك التحقق من طريقة الذبح ، في كل ذبيحة ، كما
سبق بيان ذلك في الفتوى رقم : (223005).
وبناء على هذا ، فالذبائح الموجودة في البلاد الإسلامية ، أو الكتابية : يحكم
بأنها حلال ، إلا إذا ثبت لدينا : أنها ذبحت بطريقة مخالفة للشريعة الإسلامية ،
كالخنق ، أو الصعق بالكهرباء ، أو لم يُذكر عليها اسم الله … ونحو ذلك .
والمنتج الذي لم يدل دليل شرعي على تحريمه ، أو لم يكتب في قائمة مكوناته ما
يحرم ، أو يضر : فإننا نحكم عليه بالحل والطهارة ، ولا ننتقل عن هذا الأصل لمجرد
شكوك ، أو كلام غير موثق .
فإذا دخلت مكونات محرمة في طعام ما ، فهل يحرم تناوله بالكلية ؟ هذا فيه تفصيل
سبق بيانه في الفتوى رقم : (114129) .
وخلاصته : أنه إذا كانت المادة المحرمة لا تزال موجودة بعينها : حرم تناوله .
وإن كانت قد تحولت إلى مادة أخرى بسبب التفاعلات أو الصناعة ، ولم تبق المادة
الأولى المحرمة موجودة فيه بعينها : فالراجح من أقول العلماء : أنه يجوز تناوله .
ثالثا :
بالنسبة للألبسة ، فهي داخلة ضمن القاعدة ” الأصل في الأشياء الإباحة ” ، فالأصل
فيها الحل، إلا ما استثناه الشرع ، كالحرير المحرم على الرجال ، وبعض الجلود التي
لا تطهر بالدباغ ، وقد سبق بيان ذلك في الفتوى رقم : (221753) .
والله أعلم .
