ما هي صحة الحديث أو القول الذي يتواتر على ألسنة الناس : (إن الله يجعل قدرته في أضعف مخلوقاته) ؟

الجواب :

الحمد لله

هذا
ليس بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو مثل مشهور تتناقله ألسنة الناس ،
يقصدون منه بيان عظيم قدرة الله تعالى ، وأن الله تعالى قد يُري للناس كمال قدرته
في مخلوق ضعيف من مخلوقاته ، فيجعل هذا المخلوق آية واضحة وعلامة ظاهرة على كمال
قدرة الله تعالى .

وليس المقصود أن نفس قدرة الله تعالى تكون في هذا المخلوق ، فإن هذا لا يمكن ، أن
يتصف مخلوق بصفات الله تعالى .

ومن
أمثلة ذلك : المثل الذي ضربه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عن الذباب ،
ليبين سبحانه عجز الآلهة المزعومة ، وفقرها أن تنصر نفسها من انتقاص الذباب منها ،
وهو خلق حقير صغير بالنسبة لمخلوقات الله ، ولكن عظيم قدرة الله تبدو في كل شيء .

قال
الله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ
اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ
مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) الحج/73 .

قال
الحافظ ابن كثير رحمه الله :

“يقول تعالى منبها على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ
ضُرِبَ مَثَلٌ) أي : لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به ، (فَاسْتَمِعُوا لَهُ)
أي : أنصتوا وتفهموا ، (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ
يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) أي : لو اجتمع جميع ما تعبدون من
الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك .

وأخرج صاحبا الصحيح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
قال الله عز وجل : (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة ، فليخلقوا شعيرة)

ثم
قال تعالى أيضا : (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ
مِنْهُ) أي : هم عاجزون عن خلق ذباب واحد ، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته
والانتصار منه ، لو سلبها شيئًا من الذي عليها من الطيب ، ثم أرادت أن تستنقذه منه
لما قدرت على ذلك .

هذا
والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها ، ولهذا قال : (ضَعُفَ الطَّالِبُ
وَالْمَطْلُوبُ)

قال
ابن عباس : الطالب : الصنم ، والمطلوب : الذباب . واختاره ابن جرير ، وهو ظاهر
السياق . وقال السدي وغيره : الطالب : العابد ، والمطلوب : الصنم ” انتهى.

“تفسير القرآن العظيم” (5/453-454) .

وقد
أظهر الله بعض آياته العظيمة على يد أضعف خلقه ، وذلك حين أهلك أبرهة الحبشي لما
أراد هدم الكعبة بجيشه الجرار ، ولكن الله سبحانه وتعالى أهلك هذا الجيش بواسطة
الطير الأبابيل ، تحمل في أرجلها حجارة من سجيل ، فكانت آية عظيمة إلى يوم القيامة
.

وقد
قال قتادة في تفسير قوله تعالى : (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ)
محمد/4 ، قال : “إي والله بجنوده الكثيرة ، كلُّ خَلْقِه له جند ، ولو سلط أضعف
خلقه لكان جندا” انتهى .

“جامع البيان” (22/158) .

ومنه ما يذكره المفسرون في سبب هلاك نمرود الذي ألقى إبراهيم عليه السلام في النار
، فقد ذكروا أن الله تعالى أهلكه وجنده بالبعوض .

وقد
عقد الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه “العظمة” (4/1509) بابا قال فيه : “ذكر
نمرود ، وعظم سلطانه ، وعتوه ، وتمرده ، وتسليط الله تعالى أضعف خلقه عليه ،
احتقارا له ، وتهاونا بشأنه” انتهى .

وما
الأمراض الخطيرة التي يبتلي الله بها العباد إلا مثالا ظاهرا على قهر الإنسان بخلق
ضعيف صغير من خلق الله ، وهي الجراثيم ، فيقف الإنسان عاجزاً عن مدافعتها أو
مقاومتها!!

وفي
جميع ذلك عظة وعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

والله أعلم .