الجواب :
الحمد لله
لعل البداية بما ورد في آخر سؤالك خير ما يمكننا أن نقدمه لك في هذه العجالة ، وذلك
حين تتساءلين إن كان ” لامرأة مثلك كانت على شتى أنواع الذنوب والمعاصي وتريد الآن
أن تتزوج رجلاً صالحاً..! هل لي عذر أو مبرر في كل هذا ؟! ” وذلك على حد تعبيرك .
ونحن نقول لك : إنه لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يحول بينك وبين التوبة الصادقة
لله عز وجل ، وأن يحول دون رحمة الله بك ، وعفوه عنك ، ورضاه عما يؤول إليه حالك ،
فقد أخبرنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بكل ما يبعث في أنفسنا الطمأنينة والأمل
والرجاء ، فقال عز وجل : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى
رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا
تُنْصَرُونَ . وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ . أَنْ
تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ
كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ. أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ
مِنَ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً
فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا
وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ . وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى
الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ
مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ . وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا
بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . اللَّهُ
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) الزمر/53-62.
وحدثنا رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام بحديث شريف ينبغي على كل مسلم أن يحفظه
ويستحضره كي يعيش مطمئنا ومقبلا على ربه الكريم سبحانه ، فقال صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا ابْنَ آدَمَ !
إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ
أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ
اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي . يَا ابْنَ آدَمَ ! إِنَّكَ لَوْ
أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي
شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ) رواه الترمذي في ” السنن ” (3540)
وقال : حسن غريب . وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي ” .
وإن أكثر ما نتخوفه عليك : أن يكون الشيطان يريد أن يذكرك بذنبك الماضي ، ليوقعك في
اليأس والقنوط من رحمة الله ، أو ليعيدك إلى ذلك الماضي الأسود !!
وإنما الواجب عليك الآن أن تقبلي على ربك سبحانه ، بحسن ظن ، وعظيم رجاء في فضله
ومنه عليك ، وأن تطوي صفحة الماضي ، وتدخلي في عالم الشريعة الإسلامية الرحبة التي
وسعت البلاد والعباد رحمة وشفقة ، كما قال ربنا جل وعلا : ( يُرِيدُ اللَّهُ
لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ
عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا .
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا )
النساء/26-28.
واعلمي أنك بإسلامك ، وتركك لأعمال الجاهلية ، وأحوال الشرك ، ومعاصي الماضي ،
وتوبتك إلى ربك عز وجل : قد أقبلت على ربك بصفحة بيضاء نقية ؛ فإن الإسلام يهدم ما
كان قبله ؛ فقط عليك أن تحافظي على بياض تلك الصحفة ، وألا تعودي إلى تلك المعاصي
التي تألمت منها ، وندمت عليها .
ومن مظاهر رحمة الله بنا أنه عز وجل لم يقبل منا أي عهد ووعد على مخالفة شرعه ،
وتركُ الزواج تقربا إليه ليس بطاعة ، بل هو مخالفة ، فقد سمع النبي صلى الله عليه
وسلم أحد الناس يخبر عن نفسه أن اختار التبتل والانقطاع للعبادة ، وترك تزوج النساء
، فقال عليه الصلاة والسلام : ( أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ
وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ،
وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) رواه
البخاري (5063) ومسلم (1401). وعن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قال : ”
رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ
مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاَخْتَصَيْنَا ” رواه البخاري (5073)
.
قال ابن حجر رحمه الله : ” المراد بالتبتل هنا الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من
الملاذ إلى العبادة ” انتهى من” فتح الباري ” (9/118) .
فتَركُ الزواج على سبيل التعبد لله تعالى : ليس من شريعة الإسلام ، بل هو من شريعة
الجاهلية ، أو هو من الأمور التي نسخت من شرائع الأمم السابقة ، فكل من حلف يمينا ،
أو عاهد الله عز وجل أن يعزف عن الزواج ، تقربا إليه سبحانه : فيمينه باطلة ، وعهده
لغو لا حكم له ، سواء حلف أو نذر قبل الإسلام أم بعده ، كما قال عليه الصلاة
والسلام : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ ) رواه أبوداود في ”
السنن ” (2191) وحسنه الألباني في ” صحيح أبي داود ” ، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ
نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ
يَعْصِهِ ) رواه البخاري (6696) .
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله :
” إذا كانت النذور فيما ليس بعبادة ، أو كانت في عبادة لا تطاق وشرعت لها تخفيفات ،
أو كانت مصادمة لأمر ضروري أو حاجي في الدين : سقطت ، كما إذا حلف بصدقة ماله ،
فإنه يجزئه الثلث ، أو نذر المشي إلى مكة راجلا فلم يقدر ، فإنه يركب ويُهدي ، أو
كما إذا نذر أن لا يتزوج أو لا يأكل الطعام [الفلاني] ، فإنه يسقط حكمه ، إلى أشباه
ذلك ، فانظر كيف صحبه الرفق الشرعي فيما أدخل نفسه فيه من المشقات ، فعلى هذا كون
الشارع لا يقصد إدخال المشقة على المكلف عام في المأمورات والمنهيات ” انتهى من ”
الموافقات ” (2/257)
فهنيئا لك الإسلام ، وهنيئا
لك الهداية والاستقامة ، ونرجو لك زواجا سعيدا من الرجل الصالح بإذن الله عز وجل .
ولا إثم عليك بسبب مخالفتك عهدك مع الله تعالى ، فهو عهد مذموم في أصله ، فلا يجب
الوفاء به ، وكفارته إطعام عشرة مساكين ، لكل مسكين وجبة كافية من غالب قوت الناس
أو قيمتها من النقد . كما سبق في الفتوى رقم : (21833)
، (20419) .
والله أعلم .
