السؤال:
ما حكم أولئك الذين يضربون آباءهم مزاحاً معهم ؟
الجواب :
الحمد لله
المزاح له ضوابط شرعية تقيِّده ، وتوجهه ؛ حتى يؤدي مقصوده ، وهو إدخال السرور على
قلب المُمَازَح ، وتقوية الروابط بين الممازِح والممازَح ، وزيادة الأُلفة بينهما ،
وفي جواب السؤال رقم (
22170 ) تجد هذه الشروط والضوابط للمزاح الشرعي .
وإذا كان العلماء قد أوصوا بأن يكون المزاح بين الناس من غير إكثار ، بل يكون
كالملح في الطعام : فإن هذا لا ينطبق على المزاح بين الزوجين ، ومزاح الأولاد مع
والديهم ؛ لما في كثرة المزاح بين أولئك من تقوية الروابط الأسرية ، وزيادة المودة
بين الأطراف جميعهم ، والزوجان ، وأفراد الأسرة يكثر اللقاء بينهم ، فلا يكون حكم
المزاح بينهم كحكمه بين من لا تراه إلا قليلاً ، أو نادراً ، فيحتاج الأمر لوجود
وقت للمداعبة ، والممازحة ، مع ضرورة الالتزام بباقي الضوابط والشروط ، ومن هنا
نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله رضي الله عنه في الزواج (
فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ ) كما رواه البخاري ( 4949 ) ومسلم (
715 ) .
قال
ولي الدين العراقي – رحمه الله – :
وقوله ( تلاعبها وتلاعبك ) من اللعِب المعروف ، ويؤيده قوله ( وتضاحكها وتضاحكك ) ،
وقوله في رواية لأبي عبيد ( وتداعبها وتداعبك ) من الدعابة ، وهي المزح ، هكذا حكاه
القاضي عياض عن جمهور المتكلمين في شرح هذا الحديث .
”
طرح التثريب ” ( 7 / 10 ) .
وأما بخصوص ضرب الأولاد لآبائهم في المزاح : فإن كثيراً من هذا الضرب يكون خفيفاً
مقبولاً ، ويُدخل السرور على الطرفين ، بل على سائر أفراد الأسرة ، ولا نظن أن
السائل يقصد ما فيه إيذاء ، أو ضرر ، بل قد جرت العادة على ضرب الأولاد لآبائهم ،
أو مصارعتهم لهم ، بما لا يحدث أذية ، ولا ضرراً ، ومثل هذا المزاح مقبول ، ولا حرج
فيه ، ويقوى جانب الرخصة في مثل ذلك كلما كان الولد أصغر في السن ، وهذا أمر معروف
عند الناس .
وأما إن كان الضرب فيه إيذاء أو ضرر : فيُمنع منه مطلقاً ، وانظر في ذلك جواب
السؤال رقم (
113352 ) .
ولا يحتاج المقام هنا إلى التنبيه إلى أهمية حصول الهيبة في قلوب الأولاد لأبيهم ،
واحترامهم وإجلالهم له ، فإن هذا من المعلوم الذي لا يحتاج إلى ذكر وتنبيه ، لكن قد
يقال هنا : إن القدر المعقول من المزاح لا يخل بتلك الهيبة ؛ فإن من أعطى كل شيء
حقَّه ومستحقه : لم يحتج لمثل هذا التنبيه ، فالأب العاقل الحكيم يراعي مثل بطبعه ،
ففي جلسات النصح والتوجيه لأولاده : يجب أن تؤخذ الأمور بجدية ، ومثله ما لو وقع
أحد من أولاده في معصية ، أو أدخل في البيت منكراً ، وحال الأب هنا لا يكون كذلك لو
كان خارجاً مع أولاده في رحلة ، أو كان يجلس معهم على طعام ، وهكذا تجري الأمور في
بيوت العقلاء الحكماء من الآباء .
قال المناوي – رحمه الله – :
والمداعبة مطلوبة محبوبة ، لكن في مواطن مخصوصة ، فليس في كلِّ آنٍ يصلح المزاح ،
ولا في كل وقت يحسن الجد ، قال :
أُهازِل حيث الهزل يحسن بالفتى * وإني إذا جد
الرجال لذو جِد
” فيض القدير ” ( 3 / 18 ) .
مع ضرورة التنبيه على أن لا يكون ما يجري بين الأسرة بعضها مع بعض ينتقل ليحصل أمام
الضيوف ، فينبَّه الأولاد على هذا الأمر ، فممازحة الأولاد لأبائهم في كثير من صوره
لا يصلح أن يظهر أمام الناس ؛ ولكل مقام مقال ، وحال .
والله أعلم
