رجل فتح الله عليه بنعمة المال فكيف يتصرف فيه؟ كيف يُشغِّل هذا المال؟ كيف يحافظ عليه ويربح منه دون أن يُغضب الله؟

الجواب :

الحمد لله

أولا :

المال يكون نعمة إذا استعمل في ما يرضي الله ، وأعان على طاعة الله ، ويكون نقمة
إذا استعمل في الشر ، أو حمل صاحبه على البطر والكبر ، أو ألهاه وشغله عن الطاعة
والذكر .

ولهذا جاء التحذير من فتنة المال ؛ لأنه غالبا ما يطغي وينسي ، وقلّ من يؤدي حق
الله تعالى فيه ، قال الله تعالى مبينا أن الابتلاء يكون بالخيرات والنعم ، كما
يكون بالسيئات والنقم : ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) الأنبياء/35 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (
فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ
عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ،
فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا ، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) رواه
البخاري (4015) ومسلم (2961).

وروى مسلم (2742) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ ،
وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ،
فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي
إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ ).

لكن من وفقه الله تعالى فكسب المال من حله ، وأنفقه في محله ، واجتهد في بذله في
الطاعات والقربات ، كان المال في حقة نعمة ، واستحق أن يغبطه الناس عليها ، كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم : (نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ )
رواه أحمد (17096) وصححه الألباني في “صحيح الأدب المفرد” (299)، وقال صلى الله
عليه وسلم : ( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا
فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ
فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ) رواه البخاري (73) ومسلم (816).

ثانيا :

طرق بذل المال في الخير كثيرة : منها بناء المساجد والصدقة وكفالة الأيتام ومساعدة
المرضى والمحتاجين ، ومنها إدخال السرور به على الأهل والأولاد والأقارب ، ومنها
الاستفادة منه في تكرار الحج والعمرة ، وإنشاء دور تحفيظ القرآن وتعليم العلم ،
ومنها إقراض المحتاجين ، وإنظار المعسرين ، ومنها الإسهام في المشاريع الخيرية
العامة التي تعود بالنفع على الأمة ، كالقنوات الفضائية الهادفة ، ومواقع الإنترنت
الناجحة النافعة ، إلى غير ذلك من أبواب الخير وطرقه التي لا يحصيها إلا الله ،
والمهم أن يعلم المنفق أن ماله الحقيقي هو ما قدمه لله ، لأنه سيجد عاقبته الحميدة
بعد موته ، وأما المال الذي احتفظ به ، فليس مالا له على الحقيقة وإنما هو مال
وارثه ، وهذا معنى ما رواه البخاري (6442) عن عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه
قال : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (أَيُّكُمْ مَالُ
وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا
مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ . قَالَ : فَإِنَّ مَالَهُ مَا
قَدَّمَ ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ ).

ثالثا :

أما كيفية تشغيل المال وتنميته ، فإن هذا يرجع فيه إلى أهل الاختصاص ، لكن نحن
نفيدك بالضوابط العامة لذلك ، ومنها :

1-  

السؤال والتحري عن مشروعية المعاملة أو طريقة الاستثمار قبل الشروع فيها.

2-

الحذر من وضعه في البنوك الربوية ، وعدم الاغترار بمن يفتي بجواز ذلك ، فإن الربا
من أسباب المقت والمحق ، وفاعله محارب لله ورسوله .

3-  

البعد عن الأمور المشتبهات .

4-  

معرفة خطورة المال الحرام على النفس والأهل والذرية .

5-  

التدرج والقناعة ، وعدم الاغترار بما يجلب الأرباح السريعة ، قبل الدراسة والتأني .

6-  

الحذر من تضييع هذه النعمة ، بوضعها في يد من لا يؤمن عليها .

7-

تحري الصدق والأمانة والبيان ، والبعد عن الغش والكتمان ، فإن ذلك من أسباب البركة
وتحصيل الربح والأجر ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن البائع والمشتري : (
فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَتَمَا
وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ) رواه البخاري (2097) ومسلم (1532).

 

نسأل الله أن يبارك لك في مالك ، وأن يوفقك لتنميته ، واستعماله فيما يرضيه .

والله أعلم .