السؤال:
لدي صديق لا يتحدث اللغة العربية ، وهو أصم وأبكم ، فلا يستطيع تلاوة القرآن .
هل تجب عليه التلاوة في الصلاة ? كيف يقوم بأداء الصلاة في هذه الحالة؟


الجواب :

الحمد لله :

القاعدة العامة في الشريعة : أن من عجز عن شيء من الواجبات سقط عنه ، ولزمه الإتيان
بما يقدر عليه منها ؛ لقول الله تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)
[التغابن: 16].

وقول النبي صلى الله عليه وسلم  : ( وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ
مَا اسْتَطَعْتُمْ ) متفق عليه .

وعليه : فالأبكم والأخرس الذي لا يستطيع القراءة : يسقط عنه ما عجز عنه .

فإن كان يحسن أن يسبح أو يذكر الله ، فإنه يسبح ويذكر في مواضع القراءة .

وإن كان يعجز أيضا عن التسبيح ، فلا يعلمه ، ولا يمكنه أن يتعلم بدله : سقط عنه ،
ولم يلزمه شيء بدلا من قراءته .

وإن كان يحسن التكبير في مواضعه : لزمه الإتيان به .

فإن كان يعجز عن القول مطلقا ، سقطت عنه جميع الواجبات والأركان القولية في الصلاة
، ويلزمه الإتيان بالواجبات والأركان الفعلية كالقيام والركوع والسجود .

فينوي الدخول في الصلاة بقلبه وهو قائم ، ثم يركع ويسجد ، دون قراءة للقرآن ، ولا
تلاوة للأذكار.

وقد سئلت اللجنة الدائمة : كيف يصلي من لا يستطيع أن يتكلم ولا يسمع، أو يتكلم ولا
يسمع؟

فقالوا : ” يصلي على قدر استطاعته لقوله تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَا) ، وقوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ
حَرَجٍ) ، وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) ، وقوله تعالى: (
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ” انتهى من ” فتاوى اللجنة الدائمة” (6/403)
.

واختلف العلماء هل يلزمه مع ذلك تحريك لسانه وشفتيه وقت القراءة والأذكار؟

جاء في “الموسوعة الفقهية ” (19/92) : ” مَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنِ النُّطْقِ
لِخَرَسٍ : تَسْقُطُ عَنْهُ الأْقْوَال ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ .

وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ تَحْرِيكِ لِسَانِهِ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ.

فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ
الْحَنَفِيَّةِ : لاَ يَجِبُ عَلَى الأْخْرَسِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ ، وَإِنَّمَا
يُحْرمُ لِلصَّلاَةِ بِقَلْبِهِ ؛ لأِنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ عَبَثٌ ، وَلَمْ
يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ عَلَى الأْخْرَسِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ وَشَفَتَيْه
وَلَهَاتِهِ بِالتَّكْبِيرِ قَدْرَ إِمْكَانِهِ ، قَال فِي الْمَجْمُوعِ :
وَهَكَذَا حُكْمُ تَشَهُّدِه ، وَسَلاَمِهِ ، وَسَائِرِ أَذْكَارِهِ ، قَال ابْنُ
الرِّفْعَةِ : وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ كَالْمَرِيضِ .

لَكِنْ يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَرَسِ
الطَّارِئِ ، أَمَّا الْخَرَسُ الْخِلْقِيُّ فَلاَ يَجِبُ مَعَهُ تَحْرِيكُ شَيْءٍ”
.  انتهى.

وما ذهب إليه جمهور العلماء من سقوط التحريك هو الأقرب .

قال ابن قدامة المقدسي : ” فَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ ، أَوْ عَاجِزًا عَنْ
التَّكْبِيرِ بِكُلِّ لِسَانٍ : سَقَطَ عَنْهُ … ولَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيكُ
لِسَانِهِ فِي مَوْضِعِهِ كَالْقِرَاءَةِ …؛ لِأَنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ مِنْ
غَيْرِ نُطْقٍ : عَبَثٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، فَلَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ
، كَالْعَبَثِ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ ” انتهى من “المغني” بتصرف (2/130).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” وَمَنْ لَمْ يُحْسِنْ الْقِرَاءَةَ ، وَلَا
الذِّكْرَ ، أَوْ الْأَخْرَسُ : لَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ حَرَكَةً مُجَرَّدَةً ،
وَلَوْ قِيلَ إنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِذَلِكَ كَانَ أَقْرَبَ ؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ
يُنَافِي الْخُشُوعَ ، وَزِيَادَةٌ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ” انتهى من “الفتاوى
الكبرى” (5/ 336)

 والحاصل :

أنه يأتي بما يستطيع من أركان الصلاة ، ويسقط عنه ما عجز عن عنه من التكبير وقراءة
الفاتحة وأذكار الركوع والسجود والتشهد .

وهذا عام في جميع أحواله : فكل ما عجز عنه : لا يؤاخذ به .

قال الشيخ ابن عثيمين : ” الأصم الأبكم من فقد حاستين من حواسه ، وهما السمع والنطق
، ولكن بقي عليه النظر ، فما كان يدركه من دين الإسلام بالنظر ؛ فإنه لا يسقط عنه ،
وما كان لا يدركه ؛ فإنه يسقط عنه .

أما ما كان طريقه السمع ، إذا كان لا يدركه بالإشارة : فإنه يسقط عنه .

وعلى هذا : فإذا كان لا يفهم شيئاً من الدين فإننا نقول : إذا كان أبواه مسلمين أو
أبوه أو أمه فهو مسلم تبعاً لهما ، وإن كان بالغاً عاقلاً مستقلاً بنفسه فأمره إلى
الله ، لكنه ما دام يعيش بين المسلمين ، فإننا نحكم له ظاهراً بالإسلام ، يُعلم بعض
الأشياء بالإشارة ..” انتهى من “لقاء الباب المفتوح” (11/22، بترقيم الشاملة آليا).

وينظر جواب السؤال (13793) .

والله أعلم