السؤال:
لا شك أن لكل إنسان شخصيته التي أعطاه الله إياها ، وإن كانت هنالك أخلاق مشتركة بين البشر إلا أن البشر يختلفون ويتفاوتون في اجتماع تلك الأخلاق ، وسؤالي في الأبناء ، كيف يمكن للأب أن يتعامل مع تلك الفوارق وأن يعدل بين أولاده – ذكوراً وإناثاً – مع ما يحملونه من أخلاقيات وطبائع متباينة تجعل النفس الأبوية منجذبة لبعضهم أكثر من بعض ؟ .

 

الجواب :

الحمد لله

1. خَلَق الله تعالى خلْقَه وجعل بينهم
تفاوتاً في الصفات والطباع والأخلاق ، وهو أمر واقع ومشاهد ، ويتسع ذلك في العالَم
كله ، وينحصر حتى يُرى في الأسرة الواحدة بين أولادها ، ولله تعالى في هذا الحكَم
الجليلة ، وهو يدل على عظيم قدرته تعالى .

2. لا يُنكر ميل نفس الأب نحو الولد
الذي يتصف بصفات حسنة ، سواء في خِلقته ، أو خلُقه ، أو يكون له طباع تجذب الناس
نحوه كمرحه ، وخفة دمه ، ولطافته ، وليس كون الولد ذكراً يجعل الميل نحوه باللزوم ،
بل إننا نجد تعلق كثير من الآباء ببناتهم ، والعكس .

3. ومثل هذا الميل لا يلام عليه الأب ،
لكن ليس من الحكمة إظهار ذلك أمام أولاده ؛ لما يترتب عليه من مفاسد ، وأما من لم
يكن له إلا ولد واحد فليظهر له كل شعوره ولن يلومه أحد .

4. لا يعلم كثير من الآباء أن تمييز
أحد أولاده ممن يتصف بصفات طيبة جاذبة قد يضر ذلك الولد المميَّز ! وذلك بجعله
مغروراً أو متكبراً ، كما قد يجعله مصاباً بداء الكسل والبطالة والاعتماد على غيره
في قضاء حاجاته ، ولا شك أن مثل هذا الولد لن يكون نافعاً لنفسه ، ولا لأبيه ، ولا
لباقي أسرته .

5. والأسرة التي يميِّز فيها الوالدان
– وخاصة الأب – أحد أولادهم عن الباقين يتسببون في مفاسد كثيرة ، منها :

أ.
إصابة باقي الأولاد بالإحباط من النجاح والتقدم في دينهم ودنياهم .

ب.
التسبب لهم بأمراض نفسية أو بدنية .

ج.
الكيد للأخ المميَّز ، وقد يصل الأمر لحد القتل ! .

 فالآباء المميِّزون في أسَرهم إنما
يساهمون في تفرقة هذه الأسرة وتشتتها ؛ لما يسببه ذلك التمييز من زرع العداوة
والبغضاء والحسد بين أولادهم ، فيتحد المبعدون ضد المميَّز عنهم ، بل وضد والديهم ،
ومن تأمل قصة يوسف عليه السلام ورأى ما جرى منهم تجاهه وتجاه أخيه الآخر تبين له
صدق القول ، وقد أخبرنا الله تعالى عن سبب فعلتهم تلك في يوسف أخيهم ، فقال تعالى :
(

إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ
عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ . اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ
اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ
قَوْمًا صَالِحِينَ ) يوسف/ 8 ، 9 ، ولا شك أن يعقوب عليه السلام لم يكن ظالماً
لأولاده أولئك ، وإنما حملهم على ذلك – فقط – محبته القلبية لابنه يوسف عليهما
السلام ، فماذا يُتوقع من إخوة ظلمهم والدهم بأن أعطى أحد إخوانهم ما لم يعطهم ؟! .

6. ومن مظاهر التمييز بين الأولاد
المشتهرة بين الناس : التمييز في العطية ، وهو أمر محرَّم في شرع الله تعالى
المطهَّر ، ومن مساوئ ذلك التمييز : التسبب بالعقوق للوالدين ، وعدم استواء الجميع
في البر لوالديهم ، وقد نبَّه على ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، مع تنصيصه
على تسمية ذلك التمييز في العطية جوراً وظلماً .

عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ
اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي ، فَقَالَ :
( أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ ؟ ) قَالَ : لَا
، قَالَ : ( فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ) ، ثُمَّ قَالَ : ( أَيَسُرُّكَ أَنْ
يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً ؟ ) قَالَ : بَلَى ، قَالَ : ( فَلَا
إِذًا ) .

رواه مسلم ( 3059 ) .

وكما قطع الله تعالى هذا التمييز في العطية فكذا قطع أمراً آخر وهو الوصية لأحدٍ
منهم ، فحرَّم أن يوصى لوارث ، وكل تلك الأحكام إنما هي لإصلاح حال الأسَر وإرساء
قواعد اجتماع أفرادها وعدم تفرقهم .

7.
وعلى الأب أن يعلم أنه ليس أحد من أولاده كاملاً ، ومن كان مميزاً من أولاده عنده
فلو أنصف مع نفسه لوجد له صفات أخرى سلبية ، والعكس يقال فيمن لم يميزهم فقد يكون
عند كثير منهم صفات إيجابية كثيرة ، فالطفل المحبوب بحركاته وكلماته قد لا يفيد
الأسرة في شراء أغراض من البقالة ، وقد لا يكون كفؤاً في القيام على الضيوف بخدمتهم
، فعلى الآباء مراعاة ذلك ، وتنمية ما عند أولادهم من صفات حسنة ، وتشجيعهم عليها ،
وعدم الطلب من الآخرين أن يكونوا سواء ، فكلٌّ ميسَّر لما خُلق له ، فقد يكون بعضهم
عنده حب العمل ، وآخر حب العلم ، وثالث حب التجارة ، كما قد توجد في بعضهم من
الطباع ما ليس في الآخر ، فيستثمر ذلك الأب العاقل فيجعل بعضهم مكمِّلاً للآخر ،
فإذا أثنى على الصفات الإيجابية في أحد من أولاده أثنى على صفات الآخرين ، فلا يحصل
بينهم من الحسد والعداوة شيء بإذن الله تعالى وتوفيقه .

8.
وفي هذا الباب فليحذر الوالدان من تقريع المخطئ من أولادهم والطلب منه أن يكون
كأخيه فلان ! بل يُذكر له من في سنه من الأقارب أو الجيران ، أو يحثّ على خصال
الخير ويُردع عن صفات الشر دون أن يُذكر له شخص بعينه ، وإن من شأن المقارنة بينه
وبين أخيه الأفضل منه في هذا الجانب أن يولِّد بينهما عداوة وبغضاء .

9.
وليس من العدل أن يجعل الأبُ العاقَّ من أولاده بدرجة البارّ ، وإلا لم يكن للبرِّ
ميزة ، فعليه أن يُعلم أولاده أن من أحسن – كإعانة أمه في البيت ، أو حفظه للقرآن –
فله الحسنى ، ومن أساء فيُحرم منها أو يُعاقب – بحسب ما يقترفه الأولاد من معاصٍ –
، ولا نعني هنا – بالطبع – أن يهبه هبة أو يعطيه عطية ، فقد سبق بيان تحريم ذلك ،
وإنما نعني به أن يثني عليه بالكلام الحسن ، وأن يزيد في مصروفه ، أو أن يمكنه من
اللعب بلعبة مباحة لوقت أطول ممن أساء ، وهكذا ، وهذا هو العدل الذي ننشده من
الآباء ، وليس أن يعاملوا الجميع معاملة واحدة ، المحسن منهم والمسيء ، وإلا كان
ظالماً للبارّ منهم .

فللأب أن يمنع العاصي المتمرد من أولاده من المال الذي يفعل به المعاصي ، بل يجب
على الأب ذلك حتى يكف ولده عن فعل ما يسخط ربه تعالى .

قال
الشيخ عبد الله الجبرين – رحمه الله – :

وقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لاَ أَشْهَد عَلَى جَوْر ) ، بمعنى أنه إذا مال مع
أحدهم : فإنه يسمَّى جائراً ، ولكن يمكن أن يجوز ذلك إذا كان هذا الذي مال معه
صالحاً ، والآخر فاسداً وماجناً ، فإذا حاول إصلاح هذا وعجز عنه بأن صار عاقّاً
وعاصياً لأبويه ، وعاصياً لله ، ومعرضاً عن الله ، ومعرضاً عن العبادة ، ومنهمكاً
في شرب المسكرات ، أو في المنكرات أو في المعاصي ، ولم يستطع أبواه إصلاحه : فلا
مانع ، بل يجوز لهم – والحال هذه – التساهل، وعدم مساواته بغيره ، بل عليهم أن
يشددوا في الأمر معه ، ولو أن يحرموه من تربيتهم له أو نفقتهم عليه ، ولو أن
يعاقبوه بما يكون سبباً في استقامته إذا وفق الله
.


دروس الشيخ ابن جبرين ” ( 1 / 23 ) – الشاملة – .

10.
ومما ننصح به الآباء أن يوحدوا مشاعر أولادهم تجاه من يستحق الحنان والعطف من
إخوانهم ، فمثلاً : قد يوجد أحد الأولاد مصاباً بإعاقة ، فلا ينبغي للوالدين أن
يغفلا أهمية أن يكون الحنان والعطف من أولادهم تجاه أخيهم قبل أن يكون منهما ، وهما
بذلك يضمنان إعطاء ذلك المصاب حقه من المشاعر ، ويضمنان عدم وقوع العداوة بينهم
وبين أخيهم .

11.
ومهما اختلفت صفات وطبائع الأولاد فإن العدل بينهم في الأمور الظاهرة واجب شرعي ،
فإن دفع تكاليف زواج أحدهم فليفعل ذلك مع كل من أراد التزوج ، وإذا عالَج أحدهم
لمرض ألمَّ به فليفعل الأمر نفسه مع من احتاج لعلاج ، وإن ساهم في تعليم لأحدهم
فعليه فعل الأمر نفسه مع الباقين – ضمن دائرة التعليم المباح – ، وهكذا يقال في
النفقة والكسوة ، فعليه أن يعدل بين أولاده فيهما – ولا نقول يسوِّي؛ بل يعدل ،
ونعني به : أن يُعطي كل واحد كفايته – بل قد ذهب طائفة من السلف إلى أنه يستحب
العدل بين الأولاد في ” التقبيل ” !

قال
الإمام البغوي – رحمه الله – في شرح حديث النعمان السابق – :

وفي
هذا الحديث فوائد ، منها : استحباب التسوية بين الأولاد في النِّحَل، وفي غيرها من
أنواع البرِّ حتى في القُبَل ، ذكوراً كانوا أو إناثاً ، حتى لا يعرِض في قلب
المفضول ما يمنعه من برِّه .


شرح السنة ” ( 8 / 297 ) .

وعن
إبراهيم النخعي قال : كانوا يستحبون أن يعدل الرجل بين ولده حتى في القُبَل
.


مصنف ابن أبي شيبة ” ( 11 / 221 ) .

وهكذا لا يكون منه تفضيل لأحدٍ على أحد ، ولا يعني هذا توحيد مشاعره تجاه الجميع ؛
فهذا أمرٌ لا يملكه الأب ، لكنه يملك أمر العدل في الأمور الظاهرة ، كما هو الحال
فيمن له أكثر من زوجة ، فإنه لا يُمنع من حب إحدى نسائه أكثر من الأخريات، وفي
الوقت نفسه هو مأمور بالعدل الذي يقدر عليه، وهو العدل في الأمور الظاهرة كالنفقة
والمبيت والكسوة .

ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه ، وأن يعينك على تحقيق العدل بين أولادك .

 

والله أعلم