سمعت أن الإمام الشافعي ذهب لقبر الإمام أبي حنيفة ليدعو الله لنفسه تيمنا ببركة المكان ، وأرى أن هذا أمر خطير ؛ لأننا لا نتبرك بمكان إلا بقول من الله أو رسوله .
سأكون ممتنا إذا ما وضحتم أمر هذه الرواية ، فهذا الأمر يربكني كثيرا ؛ لأنه قاله أناس يقومون بعمل الكثير من أجل الدين ، ولكنهم يدافعون عن بعض معتقدات كهذه ؟

 

الجواب :

الحمد لله

أولا : تخريج الأثر عن الإمام الشافعي رحمه الله

هذه
القصة يرويها مكرم بن أحمد في كتابه ” مناقب أبي حنيفة ” – كما في رواية القاضي أبي
عبد الله الحسين بن علي الصيمري للكتاب (ص/94)، وعنه الخطيب البغدادي في ” تاريخ
بغداد ” (1/123) – فيقول مكرم بن أحمد :

ثنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم ، قال ثنا علي بن ميمون ، قال سمعت الشافعي يقول :

( إني لأتبرك بأبي حنيفة ، وأجيء إلى

قبره في كل يوم – يعني زائرا – فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين ، وجئت إلى قبره ،
وسألت الله الحاجة ، فما تبعد عني حتى تقضى )

 

ثانيا : الحكم على إسناده

في هذا الإسناد مطاعن عدة :

الأول : كتاب مكرم بن أحمد اتهمه الدارقطني باشتماله على الوضع والكذب بسبب أحد
شيوخه ، واسمه أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحماني .

قال الخطيب البغدادي رحمه الله :

” حدثني أبو القاسم الأزهري ، قال : سئل أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني – وأنا
أسمع – عن جمع مكرم بن أحمد فضائل أبى حنيفة فقال : موضوع ، كله كذب ، وضعه
أحمد بن المغلس الحماني قرابة جبارة ، وكان في الشرقية ” انتهى.

” تاريخ بغداد ” (4/209)، وانظر ترجمة : أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحماني
في ” لسان الميزان ” (1/269) ، وينظر أيضا : تعليق العلامة المعلمي على كلام
الدارقطني في: ” التنكيل ” (1/59) .

الثاني : عمر بن إسحاق بن إبراهيم : لم نقف له على ترجمة .

الثالث : علي بن ميمون : إن كان هو الرقي فهو ثقة كما قال أبو حاتم ، ولكننا لم نقف
على من أثبت له سماعا عن الشافعي رحمه الله .

 

ثالثا : أقوال أهل العلم في هذا الأثر

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :


المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه :

مثل
ما حكى بعضهم عن الشافعي أنه قال : ( إني إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي
حنيفة فأجاب ) أو كلاما هذا معناه .  

وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل
:

فإن
الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة ، بل ولم يكن هذا
على عهد الشافعي معروفا .

وقد
رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة
والتابعين ، من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من
العلماء ، فما باله لم يَتَوَخَّ الدعاء إلا عنده .

ثم
إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم ،
لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره .

ثم
قد تقدم عند الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية
الفتنة بها.

وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه ” انتهى باختصار.


اقتضاء الصراط المستقيم ” (2/692)

ويقول العلامة ابن القيم رحمه الله :


والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب
الظاهر ” انتهى.


إغاثة اللهفان ” (1/246)

ويقول العلامة المعلمي رحمه الله :


مَن عُمَرُ هذا – يعني عمر بن إسحاق بن إبراهيم الراوي
للأثر – ، ومَن شيخُه ، أمُوَثَّقان هما عند الخطيب كما زعم الكوثري ؟!

أما أنا فقد فتشت ” تاريخ بغداد ” فلم أجد فيه ، لا موثقين ولا غير موثقين ، بل ولا
وجدتهما في غيره .

نعم في غيره علي بن ميمون الرقي يروي عن بعض مشايخ الشافعي ونحوهم ، وهو موثق ، لكن
لا نعرف له رواية عن الشافعي ، وقد راجعت ” توالي التأسيس ” لابن حجر لأنه حاول
فيها استيعاب الرواة عن الشافعي فلم أجد فيهم علي بن ميمون ، لا الرقي ولا غيره ،
انظر  “توالي التأسيس” (ص/81)

هذا حال السند ، ولا يخفى على ذي معرفة أنه لا يثبت بمثله شيء ، ويؤكد ذلك حال
القصة ، فإن زيارته قبر أبي حنيفة كل يوم بعيد في العادة ، وتحريه قصده للدعاء عنده
بعيد أيضاً ، إنما يعرف تحري القبور لسؤال الحوائج عندها بعد عصر الشافعي بمدة ،
فأما تحري الصلاة عنده فأبعد وأبعد

انتهى.


التنكيل ” (1/60)

ويقول الشيخ الألباني رحمه الله :


فهذه رواية ضعيفة بل باطلة ، فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف ، وليس له ذكر
في شيء من كتب الرجال .

ويحتمل أن يكون هو عمرو – بفتح العين – بن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو
محمد التونسي ، وقد ترجمه الخطيب ، وذكر أنه بخاري قدم بغداد حاجا سنة 341هـ ، ولم
يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ، فهو مجهول الحال .

ويبعد أن يكون هو هذا ، إذ إن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة 247هـ على أكثر الأقوال ،
فبين وفاتَيهما نحو مائة سنة ، فيبعد أن يكون قد أدركه .

وعلى كل حال فهي رواية ضعيفة لا يقوم على صحتها دليل ” انتهى.


السلسلة الضعيفة ” (رقم/22)

وفي
“اقتضاء الصراط المستقيم” لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (2/680-710) مبحث طويل
في حكم قصد الدعاء عند قبر معين تبركا به ، خلاصته الحكم ببدعية هذا الفعل وعدم
شرعيته ، وقد سبق ذكر ذلك في موقعنا في جواب السؤال رقم :

(105370)

والله أعلم .