الجواب :
الحمد لله
فإذا مات الميت وترك مالاً فالواجب على ورثته أن يبدؤوا بتجهيزه وتكفينه من التركة
, ثم بعد ذلك يلزمهم إخراج الديون , ثم إخراج الوصايا من ثلث التركة , كل ذلك قبل
قسمة التركة , فقد أمر الله تعالى عباده بقسمة المواريث ، حسب ما شرعه لهم ، لكنه
قيد ذلك بأن يكون بعد الوصية ؛ قال تعالى : ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا
أَوْ دَيْنٍ ) النساء/11.
قال القرطبي في تفسيره (5 / 61) ” ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية ، فإذا مات
المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعينات ، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره ، ثم الديون
على مراتبها ، ثم يخرج من الثلث الوصايا ، وما كان في معناها على مراتبها أيضاً،
ويكون الباقي ميراثاً بين الورثة ” انتهى.

وتقدم الديون على الوصايا,
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره (2/201) ” الدين مقدم على الوصية ، وبعده
الوصية ثم الميراث ، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء ” انتهى.

ولا يشترط لوجوب إنفاذ هذه
الوصية : أن تكون موثقة من المحكمة ، أو من غيرها من جهات الاختصاص ، أو أن يشهد
بها شهود ، أو أن تكون مكتوبة ؛ بل متى علم الوارث بهذه الوصية ، إما بسماعها من
صاحب المال مباشرة ، أو بغير ذلك من الطرق : وجب عليه أن ينفذها ، ولو لم تقم بها
البينة الشرعية التي يمكن للقضاء الشرعي أن يحكم بها عند النزاع .

وبناء عليه : فإن الواجب على
الورثة أن ينفذوا وصية والدهم ، فإن امتنعوا عن إنفاذ وصيته فقد أثم من امتنع منهم
عن تنفيذ الوصية الشرعية ، وما دخل إلى ماله من هذه الوصية : فهو محرم ، لا يحل له
؛ وقد قال الله تعالى متوعدا من فعل ذلك : ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ
فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
) .
قال الشوكاني رحمه الله: ” والتبديل : التغيير .. وهذا وعيد لمن غير الوصية
المطابقة للحق ، التي لا جَنَف فيها ، ولا مضارَّة ، وأنه يبوء بالإثم ، وليس على
الموصي من ذلك شيء ، فقد تخلص مما كان عليه بالوصية به ” انتهى من ” فتح القدير
“(1/231).

ثانياً:
القدر المحرم في مال زوجتك من التركة : هو مقدار ما دخل نصيبها من هذه الوصية ، فإن
كانوا قد اقتسموا بينهم التركة ، بحسب القسمة الشرعية : فإن ثمن نصيبها هو من مال
الوصية ، وهو القدر الذي يجب عليها أن تتخلص منه ، وتضعه في مصرف الوصية الذي حدده
الوالد ؛ فإن استجاب باقي الورثة لذلك ، وأخرجوا من مالهم ما يجب عليهم : فهو
المطلوب ؛ وإلا : فالواجب عليها أن تخرج هي ما عليها في مالها ، ولا تبالي بالآخرين
.

قال الإمام النووي رحمه
الله: ” إذا استقر عزمه لسفر حج أو غزو أو غيرهما : فينبغي أن يبدأ بالتوبة من جميع
المعاصي والمكروهات ، ويخرج عن مظالم الخلق ، ويقضي ما أمكنه من ديونهم , ويرد
الودائع ، ويستحل كل من بينه وبينه معاملة في شيء ، أو مصاحبة ، ويكتب وصيته ،
ويشهد عليه بها ، ويوكل من يقضي ما لم يتمكن من قضائه من ديونه ، ويترك لأهله ومن
يلزمه نفقته نفقتهم ، إلى حين رجوعه ” انتهى من “المجموع” (4/265).

ثالثا :
إذا حج الورثة أو بعضهم قبل تنفيذ وصية الميت :
فإن كان القدر الذي يجب إخراجه في الوصية : معينا ، وكان الحج من نفس هذا المال
المحرم : صح الحج ، على القول الراجح ، مع لزوم إثم الغصب ، وأكل الحرام لصاحبه .

وأما إن لم يكن الحج من نفس
مال الوصية المأخوذ بغير حق ، بل من غيره من المال ؛ أو اختلط المال المحرم ، بغيره
من المال الحلال : فهو أولى بالصحة ؛ وجهة الحج منفكة عن غصب الوصية .
ولهذا قال العلماء ـ رحمهم الله ـ لو حج من مال حرام كالمغصوب والمسروق .. صح حجه،
وللاستزادة ينظر جواب سؤال رقم : (48986).

وعلى كل : فالواجب عليك أن
تأمر زوجتك برد ما يلزمها من هذا المال إلى أهله ، وأن ذمتها لا تبرأ إلا بذلك ،
سواء حجت أو لم تحج ؛ وإذا كانت تريد الحج المبرور من الله ، فالواجب عليها أن
تبادر بإخراج ما يلزمها من الحقوق ، وتردها إلى أهلها .

والله أعلم .