السؤال:
لماذا لم يكن هناك إمام في صلاة الجنازة عليه صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب :
الحمد لله
أولا :
ثبت في الروايات الصحيحة أن الصحابة رضوان الله عليهم صلوا صلاة الجنازة على رسول
الله صلى الله عليه وسلم فرادى ، ولم يصلوها في جماعة .
عَنْ أَبِي عَسِيبٍ أَوْ أَبِي عَسِيمٍ رضي الله عنه :
( أنَّهُ شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
قَالُوا : كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْهِ ؟ قَالَ : ادْخُلُوا أَرْسَالًا أَرْسَالًا .
قَالَ : فَكَانُوا يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ
يَخْرُجُونَ مِنَ الْبَابِ الْآخَرِ )
رواه الإمام أحمد في ” المسند ” (34/365) طبعة مؤسسة الرسالة .
وقال المحققون في هذه الطبعة :
” إسناده صحيح ، رجاله ثقات رجال الشيخين ، غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم ، وغير
صحابيه ، فلم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة ويشهد لقصة الصلاة حديث ابن عباس
عند ابن ماجه (1628) . وحديث سهل بن سعد عند البيهقي في ” الدلائل ” (7/250)
وكلاهما ضعيف ” انتهى.
قال ابن عبد البر رحمه الله :
” وأما صلاة الناس عليه أفذاذاً – يعني : على النبي صلى الله عليه وسلم – فمجتمع
عليه عند أهل السير وجماعة أهل النقل ، لا يختلفون فيه ” انتهى
” التمهيد ” (24/397).
ولمن أراد أن يطلع على جميع الآثار الواردة في هذا الباب فلينظر : ” المصنف ” لعبد
الرزاق الصنعاني (3/473) باب كيف صلي على النبي صلى الله عليه وسلم . ” المصنف ”
لابن أبي شيبة (14/552) باب ما جاء في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . ” البدر
المنير ” لابن الملقن (5/274-279). ” التلخيص الحبير ” لابن حجر (2/290-291). ”
الخصائص الكبرى ” للسيوطي (2/412-413)
ثانيا :
وقد ذكر العلماء رحمهم الله في أسباب صلاة الصحابة الجنازة على النبي صلى الله عليه
وسلم فرادى أمورا كثيرة ، هي :
السبب الأول :
قال بعض أهل العلم إن ذلك كان بسبب وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته
بالصلاة عليه فرادى ، ولكن ذلك لم يثبت بإسناد صحيح ، وإنما ورد في بعض الأحاديث
الضعيفة .
يقول السهيلي رحمه الله :
” هذا خصوص به صلى الله عليه وسلم ، ولا يكون هذا الفعل إلا عن توقيف ، وكذلك روي
أنه أوصى بذلك ، ذكره الطبري مسندا .
ووجه الفقه فيه أن الله تبارك وتعالى افترض الصلاة عليه بقوله : ( صَلُّوا عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) الأحزاب/56، وحكم هذه الصلاة التي تضمنتها الآية ألا تكون
بإمام ، والصلاة عليه عند موته داخلة في لفظ الآية ، وهي متناولة لها وللصلاة عليه
على كل حال ” انتهى باختصار.
” الروض الأنف ” (7/594-595)
السبب الثاني :
التنافس الشديد بينهم لتحصيل هذه الفضيلة – وهي إمامة الناس في الصلاة على النبي
صلى الله عليه وسلم – محبة منهم له عليه الصلاة والسلام المحبة العظيمة التي لا
يناسبها الإيثار والمسامحة ، وإنما التنافس والمشاححة على هذا القرب منه عليه
الصلاة والسلام في آخر موقف له بينهم في الدنيا الفانية ، خاصة وأن شأن الخلافة
والإمامة لم يستقر بعد ، ولم يُعرف مَن هو الذي سيتولى أمر المسلمين كي يتقدمهم في
إمامة الصلاة ، فحرصوا على وحدة صف المسلمين ، وانتظار اجتماع كلمتهم على أحدهم
يكون هو الإمام المقتدى به ، فقد كان الخليفة هو الذي يتقدم المسلمين في الصلوات .
يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه :
” صلى الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرادا لا يؤمهم أحد ، وذلك لعظم أمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتنافسهم في أن لا يتولى الإمامة في الصلاة عليه
واحد ” انتهى.
” الأم ” (1/314)
ويقول الإمام الرملي رحمه الله – بعد أن نقل كلام الإمام الشافعي رحمه الله – :
” لأنه لم يكن قد تعين إمام يؤم القوم ، فلو تقدم واحد في الصلاة لصار مقدما في كل
شيء ، وتعين للخلافة ” انتهى.
” نهاية المحتاج ” (2/482)
السبب الثالث :
تنافس الصحابة رضوان الله عليهم في تحصيل البركة من الصلاة عليه على وجه الانفراد
والخصوصية دون أن يكون تابعا فيه لإمام ، فلم يكن أحد يقبل أن يتوسط بينه وبين
النبي صلى الله عليه وسلم أحد في الصلاة لنيل الأجر والبركة .
يقول الإمام القرطبي رحمه الله :
” أرادوا أن يأخذ كل أحد بركته مخصوصا دون أن يكون فيها تابعا لغيره ” انتهى.
” الجامع لأحكام القرآن ” (4/225)
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
” النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه الصحابة فرادى ؛ لأنهم كرهوا أن يتخذوا إماماً
بين يدي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فصاروا يأتون يصلون عليه أفراداً ،
الرجال ثم النساء ” انتهى.
منقول في موقعنا في الفتوى رقم : (152888)
السبب الرابع :
تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم واحترامه ، والهيبة أن يتقدم أحد بين يديه يؤم
الناس في الصلاة عليه ، فقد كان عليه الصلاة والسلام إمام الناس وقائدهم وهاديهم ،
فلم يجرؤ أحد أن يقف موقفه وأن ينصب نفسه مكانه بعد وفاته وبغير إذنه عليه الصلاة
والسلام ، وهذا السبب – كما ترى – يتعارض مع السببين الثاني والثالث الذين قال بهما
بعض العلماء .
يقول البهوتي الحنبلي رحمه الله :
” تسن الصلاة عليه – يعني على الميت – جماعة لفعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ،
واستمر الناس عليه ، إلا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يصلوا عليه بإمام
احتراما له ” انتهى.
” شرح منتهى الإرادات ” (1/357)
هذه هي الأسباب التي يذكرها العلماء ، ولم يظهر لنا الجزم بواحد منها ، وقد تكون
الأسباب كلها مجتمعة أو بعضها هي ما دعا الصحابة الكرام للصلاة عليه صلى الله عليه
وسلم فرداى، وقد يكون السبب في ذلك أمر آخر سوى ما ذكرنا ؛ فالله أعلم بذلك .
وقد سبق جواب السؤال رقم : (152888)
بيان جواز الصلاة على الجنازة فرادى ، وأن الجماعة في الجنازة سنة ، وليست واجبة
ولا شرطا لصحة الصلاة .
والله أعلم .
