الجواب :
الحمد لله
دخلت الجلود في كثير من الصناعات ، فتصنع منها الحقائب ، والمعاطف ، والأحذية ،
والأحزمة ، وغيرها .
و” الجلد الصناعي ” سواء كان من المنتجات البترولية أو
غيرها : مباح طاهر ؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة والإباحة .
وأما الأشياء المصنوعة من جلود الحيوانات ، فيختلف
حكمها بحسب جلد الحيوان الذي صنعت منه .
والجلد الحيواني له أحوال :
1= أن يكون جلد حيوان مأكول اللحم ، وقد ذُكي ( ذبح ) ذكاةً شرعية .
فهذه جلود طاهرة بإجماع أهل العلم ، لأنها صارت طيبةً بالذكاة ، كجلود الإبل ،
والبقر ، والغنم ، والظباء والأرانب وغيرها ، سواء دبغت أم لم تدبغ .
قال ابن حزم رحمه الله : ” وَاتَّفَقُوا أَن جلد مَا
يُؤْكَل لَحْمه إذا ذكي : طَاهِر ، جَائِز استعماله ، وَبيعه ” انتهى من ” مراتب
الإجماع ” (ص/ـ23) .
2= أن يكون جلد حيوان مأكول اللحم ، ولكن الحيوان لم
يذكَّى ذكاةً شرعية ، بل إما أن يكون ميتة ، وإما أن يكون قد ذبح ولكن بطريقة غير
شرعية .
فهذا الجلد يكون نجساً ، لأنه جزء من حيوان ميت والحيوان الميت نجس ، ولا يطهر إلا
بالدباغ ، فإذا دبغ صار طاهراً .
والدباغة هي : معالجة الجلود بمنظفات ومطهرات ليزول ما
بها من نتن وفساد ورطوبة ، وكان يستعملون لذلك القَرَظ [ ورق شجر السَلَم ] ،
والعَفْص ، والشَّب [ نبت طيب الرائحة ] ، وقشور الرمان ..
وفي العصر الحديث يتم دباغة الجلود في المصانع الكبرى
بواسطة بعض المواد الكيماوية التي تنقي الجلد وهي تؤدي الغاية نفسها … فالدباغة
تحصل بأي شيء يزيل النتن والخبث عن الجلد .
وجميع الجلود المستخدمة اليوم في الحقائب والملبوسات والأحذية ونحو ذلك ، قد تم
دباغها وتنظيفها من الرطوبة والدماء .
ويدل على طهارة هذه الجلود بالدباغة ما رواه مسلم
(366) عن أبي الخير أنه سأل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قُلْتُ : إِنَّا
نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ ، نُؤْتَى بِالْكَبْشِ
قَدْ ذَبَحُوهُ ، وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ ، وَيَأْتُونَا بِالسِّقَاءِ
يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ [ الشَّحْم ]
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : ( دِبَاغُهُ طَهُورُهُ ) .
وروى مسلم (363) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما –
أيضا – أنه قَالَ : تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ ، فَمَاتَتْ ،
فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ :
هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ ، فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ .
فَقَالُوا : إِنَّهَا مَيْتَةٌ .
فَقَالَ : ( إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ) .
فهذا يدل على أن جلد ميتة الحيوان الذي يؤكل لحمه ،
يطهر بالدباغ .
قال ابن بطال رحمه الله :
” وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفتوى ، وذكر ابن القصار أن هذا آخر قول مالك ،
وهو قول أبي حنيفة والشافعي ” انتهى من ” شرح صحيح البخاري ” (5/441) .
3= أن يكون من جلود السِّباع ، مثل جلد الأسد ، والنمر
، والفهد ، والذئب ، والدب ، وابن آوى ، وابن عرس .
فجلود هذه الحيوانات نجسة ، سواء ذبحت ، أو ماتت ، أو قتلت ، لأنها وإن ذبحت لا تحل
، ولا تكون طيبة ، فهي نجسة في جميع الأحوال .
واختلف العلماء هل الدباغة تطهر هذه الجلود أم لا ؟
وسواء قلنا بطهارة هذه الجلود بالدباغة أم لا ، فلا
يجوز استعمالها على كلا الحالين ؛ لما ورد من النصوص الصحيحة في النهي عن استعمالها
.
ويدل على هذا : ما جاء عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ : ( أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ
) رواه الترمذي (1771) ، وصححه النووي ، والألباني .
وعن الْمِقْدَام بْن مَعْدِي كَرِبَ : ( أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ
وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا ) رواه أبو داود ( 4131 ) ، وصححه الألباني .
فهذه الأحاديث تدل على أن جلود السباع لا يجوز
الانتفاع بها مطلقاً .
قال الترمذي : ” وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ إِنَّهُمْ
كَرِهُوا جُلُودَ السِّبَاعِ وَإِنْ دُبِغَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَقَ ، وَشَدَّدُوا فِي لُبْسِهَا وَالصَّلَاةِ
فِيهَا ” انتهى من ” سنن الترمذي ” (1771) .
وقال بعض العلماء : إن النهي عن جلود السباع المقصود
به استعمالها قبل دباغتها .
قال النووي رحمه الله : ” وهو ضعيف ، إذ لا معنى لتخصيص السباع حينئذ ، بل كل
الجلود في ذلك سواء ” انتهى من ” المجموع شرح المهذب ” (1/221) .
والعلة في النهي عن استعمال هذه الجلود : لما فيها من
الكبر والخيلاء ، ولأن فيها تشبهاً بالجبابرة ، ولأنها زي أهل الترف والإسراف .
وعلى هذا ، فلا يجوز استعمالها سواء قلنا بطهارة جلدها
بالدباغ أم لا .
وينظر جواب السؤال رقم : (9022) .
4= أن يكون جلد حيوان غير مأكول اللحم من غير السباع ،
مثل جلود الثعابين ، والفيلة ، والحمير ، والقرود ، والخنازير ، ونحو ذلك .
فهذه الجلود وما أشبهها : نجسة ، سواء ذبحت ، أو ماتت ، أو قتلت ، لأنها وإن ذبحت
لا تحل ، ولا تكون طيبة ، فهي نجسة في جميع الأحوال .
ولكن ، لو دبغت هذه الجلود هل تطهر ؟ في هذه المسألة خلاف بين العلماء :
فقيل : إن الدباغة تُطهر جميع الجلود ، إلا جلد الكلب والخنزير .
وهذا القول كما قال ابن عبد البر رحمه الله : ” عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ
مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْأَثَرِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ ” انتهى
من ” الاستذكار ” (5/ 295) .
ويدل لهذا المذهب قوله صلى الله عليه وسلم : ( إِذَا
دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ ) رواه مسلم (366) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (
أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ) رواه الترمذي (1728) وقد صححه البخاري ،
والترمذي .
والإهاب هو الجلد قبل أن يُدبغ ، وهي صيغة عموم تشمل جميع أنواع الجلود .
واستثني من ذلك الكلب والخنزير ؛ لأنهما نجسان في حال
الحياة ، فإذا كانت الحياة – وهي أقوى من الدباغة في التطهير – لم تطهرهما ، فمن
باب أولى الدباغة .
” فالدَّبْغَ يُزِيل سَبَبَ النَّجَاسَةِ وَهُوَ
الرُّطُوبَةُ وَالدَّمُ ” انتهى من ” الموسوعة الفقهية ” (20/230) .
والكلب والخنزير كل منهما نجس العين ، ” أَيْ أَنَّ
ذَاتَهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا نَجِسَةٌ حَيًّا وَمَيِّتًا ، فَلَيْسَتْ
نَجَاسَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّمِ أَوِ الرُّطُوبَةِ كَنَجَاسَةِ غَيْرِهِ مِنْ
مَيْتَةِ الْحَيَوَانَاتِ ، فَلِذَا لَمْ يَقْبَل التَّطْهِيرَ ” انتهى من ”
الموسوعة الفقهية” (20/230) .
قال ابن عبد البر رحمه الله : ” قوله صلى الله عليه
وسلم : ( كل إهاب دبغ فقد طهر ) قد دخل فيه كل جلد ، إلا أن جمهور السلف أجمعوا على
أن جلد الخنزير لا يدخل في ذلك ” انتهى من ” التمهيد ” (4/178) .
وقال رحمه الله – أيضاً – : ” وَأَمَّا قَوْلُهُ :
(أَيُّمَا إِهَابٌ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) فَإِنَّمَا يَقْتَضِي جَمِيعَ الْأُهُبِ ،
وَهِيَ الْجُلُودُ كُلُّهَا ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ جَاءَ فِي ذَلِكَ مَجِيءَ عُمُومٍ
، وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا منهَا … وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ
وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى إِلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي
عُمُومِ قَوْلِهِ : ( أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ) ؛ لِأَنَّهُ
مُحَرَّمُ الْعَيْنِ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَجِلْدُهُ مِثْلُ لَحْمِهِ ، فَلَمَّا
لَمْ تَعْمَلْ فِي لَحْمِهِ وَلَا فِي جِلْدِهِ الذَّكَاةُ ، لَمْ يَعْمَلِ
الدِّبَاغُ فِي إِهَابِهِ شَيْئًا ” انتهى من ” الاستذكار ” (5/ 305) .
والقول الثاني : أن الدباغة لا تطهر إلا جلد الحيوان
الذي يؤكل لحمه ، وأما الحيوان غير مأكول اللحم ، فلا تطهر الدباغة جلده ، وهذا هو
مذهب الأوزاعي ، ورواية عن الإمام أحمد ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله في أحد قوليه .
ينظر : ” شرح صحيح مسلم ” للنووي (4/54 ) ، ” الفروع ” لابن مفلح (1/102) ، ” مجموع
الفتاوى” لابن تيمية (21/95 ) .
واختار هذا القول : جمع من العلماء المعاصرين ، كالشيخ
محمد بن إبراهيم ، والشيخ ابن باز ، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله على الجميع .
واستدلوا بحديث سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ ،
قَالَتْ : مَا عِنْدِي إِلَّا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ ، قَالَ : أَلَيْسَ قَدْ
دَبَغْتِهَا ، قَالَتْ : بَلَى .
قَالَ : ( فَإِنَّ دِبَاغَهَا : ذَكَاتُهَا ) رواه النسائي (4245) وصححه الدارقطني
، والنووي ، والألباني .
” فَشَبَّهَ الدَّبْغَ بِالذَّكَاةِ ؛ وَالذَّكَاةُ إنَّمَا تُعْمَلُ فِي مَأْكُولِ
اللَّحْمِ ” انتهى من ” المغني” لابن قدامة (1/94) .
وتظهر ثمرة الخلاف في حكم الانتفاع بالأشياء المصنوعة من جلد حيوان غير مأكول اللحم
، فمن يرى أن الدباغة تطهره يجيز الانتفاع بهذه الجلود ، ومن يرى أن الدباغة لا
تطهر جلود الحيوانات غير مأكولة اللحم لا يجيز الانتفاع بهذه الجلود ، ولا الجلوس
عليها ولا استعمالها .
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ما هو الضابط في
استخدام الجلود وما يحل من ذلك وما يحرم ؟
فقال : ” من المعلوم أن الجلود في السوق هي جلود
مدبوغة ، والجلود المدبوغة عند كثير من العلماء طاهرة ، وإن كانت من حيوان نجس .
والصحيح أنها ليست بطاهرة إذا كانت من حيوان نجس ؛ لأن نجس العين لا يطهر لو غسل
بماء البحر .
أما إذا كانت الجلود مما هو مباح الأكل ولكن لا تدري أنت هل هي جلود مذبوحة أو ميتة
فلا يهمنك ؛ لأنه حتى لو كانت جلود ميتة أو جلود حيوانٍ مذبوح على غير الطريقة
الإسلامية فإنها إذا دبغت تكون طاهرة مثل بعض الفراء ، تكون مبطنة بجلد من جلود
الضأن الصغار ، فنقول : البسها ولا حرج عليك ، حتى لو فرض أنها من ميتة أو فرض أنها
مما ذكي ذكاة غير شرعية ؛ لأنه إذا دبغ فإنه يطهر” انتهى من ” لقاء الباب المفتوح ”
.
وينظر جواب السؤال رقم : (1695)
.
والحاصل :
أنه لا حرج في استعمال الأشياء المصنوعة من جلد الحيوان المأكول اللحم ، وأما
المصنوع من جلود السباع ، فلا يجوز استعماله مطلقا .
وأما ما صنع من جلد حيوان غير مأكول اللحم ، فالأولى ترك استعماله ؛ لقوة الخلاف
فيه .
قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى : ” ولا شك أن ما
دبغ من جلود الميتة التي تحل بالذكاة كالإبل والبقر والغنم طهور يجوز استعماله في
كل شيء في أصح أقوال أهل العلم .
أما جلد الخنزير والكلب ونحوهما مما لا يحل بالذكاة ، ففي طهارته بالدباغ خلاف بين
أهل العلم ؛ والأحوط ترك استعماله ، عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ومن
اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ) ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( دع ما
يريبك إلى ما لا يريبك ) ” انتهى من ” مجموع فتاوى ابن باز ” (6/354) .
والله أعلم .
